بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 126

ولكنّهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت ألسنتهم ، وانقطعت أفئدتهم ، وطاشت عقولهم ،
وتاهت حلومهم ، إعزازاً لله وإعظاماً وإجلالاً ، فإذا أفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال
الزاكية يعدّون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين ، وأنّهم برآء من المقصّرين والمفرطين
ألا إنّهم لا يرضون الله بالقليل ، ولا يستكثرون لله الكثير ، ولا يدلّون عليه بالأعمال ، فهم
إذا رأيتهم مهيّمون مروّعون ، خائفون ، مشفقون ، وجلون ؛ فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين
ألم تعلموا أنّ أعلم الناس بالضرر أسكتهم عنه ، وأنّ أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه ؟ .

بيان : لا يدلّون من قولهم : أدلّ عليه أي أوثق بمحبّته فأفرط عليه . والهيام :
الجنون من العشق .

31 ـ كش : عليّ بن محمّد ، عن محمّد بن موسى الهمدانيّ ، عن الحسن بن موسى
الخشّاب ، عن غيره ، عن جعفر بن محمّد بن حكيم الخثعميّ قال : اجتمع ابن سالم ، وهشام بن
الحكم ، وجميل بن درّاج ، وعبد الرحمن بن الحجّاج ، ومحمّد بن حمران ، وسعيد بن غزوان ،
ونحو من خمسة عشر من أصحابنا فسألوا هشام بن الحكم أن يناظر هشام بن سالم فيما
اختلفوا فيه من التوحيد ، وصفة الله عزَّ وجلَّ ، وعن غير ذلك ، لينظروا أيّهم أقوى حجّة ،
فرضي هشام بن سالم أن يتكلّم عند محمّد بن أبي عمير ، ورضي هشام بن الحكم أن يتكلّم عند
محمّد بن هشام فتكالما وساقا ما جرى بينهما ، وقال : قال عبد الرحمن بن الحجّاج لهشام بن
الحكم : كفرت والله بالله العظيم وألحدت فيه ، ويحك ما قدرت أن تشبه بكلام ربّك إلّا
العود يضرب به . قال جعفر بن محمّد بن حكيم فكتب إلى أبي الحسن موسى عليه‌السلام يحكى
له مخاطبتهم وكلامهم ، ويسأله أن يعلّمهم ما القول الّذي ينبغي أن يدين الله به من صفة
الجبّار فأجابه في عرض كتابه : فهمت رحمك الله ، واعلم رحمك الله أنَّ الله أجلّ وأعلى وأعظم
من أن يبلغ كنه صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه وكفّوا عمّا سوى ذلك .

32 ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن اليقطينيّ ، عن ابن أبي نجران قال : سألت
أبا جعفر الثاني عليه‌السلام عن التوحيد فقلت : أتوهّم شيئاً ؟ فقال : نعم غير معقول ولا محدود ،
فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه ، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام ، كيف تدركه
الأوهام وهو خلاف ما يعقل وخلاف ما يتصوّر في الأوهام ؟ إنّما يتوهّم شيء غير معقول
ولا محدود .

 

بيان : اعلم أنَّ من المفهومات عامّة شاملة لا يخرج منها شيء من الأشياء
لا ذهناً ولا عيناً كمفهوم الشيء والموجود والمخبر عنه ، وهذه معان اعتباريّة يعتبرها العقل
لكلّ شيء ؛ إذا تقرّر هذا فاعلم : أنَّ جماعة من المتكلّمين ذهبوا إلى مجرّد التعطيل ، و
منعوا من إطلاق الشيء والموجود وأشباههما عليه ، محتجّين بأنّه لو كان شيئاً شارك
الأشياء في مفهوم الشيئيّة وكذا الموجود وغيره . وذهب إلى مثل هذا بض معاصرينا
فحكم بعدم اشتراك مفهوم من المفهومات بين الواجب والممكن ، وبأنّه لا يمكن تعقّل
ذاته وصفاته تعالى بوجه من الوجوه ، وبكذب جميع الأحكام الايجابيّة عليه تعالى . و
يردّ قولهم الأخبار السالفة ، وبناء غلطهم على عدم الفرق بين مفهوم الأمر وما صدق
عليه ، وبين الحمل الذاتيّ والحمل العرضيّ ، وبين المفهومات الاعتباريّة والحقائق
الموجودة .

فأجاب عليه‌السلام بأنَّ ذاته تعالى وإن لم يكن معقولاً لغيره ولا محدوداً بحدّ إلّا أنّه
ممّا يصدق عليه مفهوم شيء ، لكن كلّ ما يتصوّر من الأشياء فهو بخلافه لأنَّ كلّ ما يقع
في الأوهام والعقول فصورها ، الإدراكيّة كيفيّات نفسانيّة ، وأعراض قائمة بالذهن ، و
معانيها مهيّات كلّيّة قابلة للاشتراك والانقسام فهو بخلاف الأشياء