بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 105

فهو كان يوحّد نفسه فكان متفرِّداً بالوجود ، متوحّداً بتوحيد نفسه ، ثمَّ بعد الخلق
عرّفهم نفسه ، وأمرهم أن يوحّدوه ، أو المراد أنَّ توحّده لا يشبه توحّد غيره ، فهو متفرِّد
بالتوحيد ، (1) أو كان قبل الخلق كذلك ، وأجرى سائر أنواع التوحيد على خلقه ، إذ الوحدة
تساوق الوجود أو تستلزمه لكن وحداتهم مشوبة بأنواع الكثرة .

11 ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن ابن عيسى ، عن عليّ بن سيف بن عميرة ،
عن محمّد بن عبيد قال : دخلت على الرضا عليه‌السلام فقال لي : قال للعباسيّ  يكفّ عن الكلام
في التوحيد وغيره ، ويكلّم الناس بما يعرفون ، ويكفَّ عمّا ينكرون ، وإذا سألوك عن
التوحيد فقل ـ كما قال الله عزَّ وجلَّ ـ : قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ õ اللَّـهُ الصَّمَدُ õ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَ õ وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ
õ وإذا سألوك عن الكيفيّة فقل ـ كما قال الله عزَّ وجلَّ ـ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ
؛ وإذا سألوك عن السمع فقل ـ كما قال الله عزَّ وجلَّ ـ : هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، كلّم الناس
بما يعرفون .

12 ـ يد : حدّثنا أبو محمد جعفر بن عليّ بن أحمد الفقيه القميّ ثمَّ الإيلاقيّ
رضي الله عنه ، قال حدّثنا أبو سعيد عبدان بن الفضل ، قال : حدّثني أبو الحسن محمّد بن
يعقوب بن محمّد بن يوسف بن جعفر بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
بمدينة خجندة ، قال : حدَّثني أبو بكر محمّد بن أحمد بن شجاع الفرغانيّ ، قال حدَّثني أبو محمد
الحسن بن حمّاد القبريّ بمصر ، قال : حدَّثني إسماعيل بن عبد الجليل البرقيّ ، عن
أبي البختريّ وهب بن وهب القرشيّ ، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ
الباقر عليهما‌السلام في قول الله عزَّ وجلَّ : قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ، قال : « قل » أي أظهر ما أوحينا إليك و
نبّأناك به بتأليف الحروف الّتي قرأناها لك ، ليهتدي بها من ألقى السمع وهو شهيد ، و
« هو » إسم مشاور مكنّى إلى غائب ، فالهاء تنبيه عن معنى ثابت ، والواو إشارة إلى
الغائب عن الحواسّ كما أنَّ قولك : « هذا » إشارة إلى الشاهد عند الحواسّ ، وذلك أنَّ

 

الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بحرف إشارة الشاهد المدرك ، فقالوا : هذه آلهتنا المحسوسة
المدركة بالأبصار فأشر أنت يامحمّد إلى إلهك الّذي تدعو إليه حتّى نراه وندركه ولا
نأله فيه ، فأنزل الله تبارك وتعالى : قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ . فالهاء تثبيت للثابت والواو إشارة إلى
الغائب عن درك الأبصار ولمس الحواسّ ، والله تعالى عن ذلك (2) بل هو مدرك الأبصار
ومبدع الحواسّ .

حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : رأيت الخضر عليه‌السلام في المنام
قبل : بدر بليلة ، فقلت له : علّمني شيئاً أنصر به على الأعداء ، فقال : قل : يا هو يا من لا
هو إلّا هو . فلمّا أصبحت قصصتها على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : لي يا عليّ علّمت الأسم
الأعظم ؛ وكان على لساني يوم بدر ، وأنَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قرأ قل هو الله أحد (3) فلمّا
فرغ قال : يا هو من لا هو إلّا هو اغفر لي وانصرني على القوم الكافرين .

وكان عليٌّ عليه‌السلام يقول ذلك يوم صفّين وهو يطارد ، (4) فقال له عمّار بن ياسر :
يا أمير المؤمنين ما هذه الكنايات ؟ قال : اسم الله الأعظم ، وعماد التوحيد لله لا إله إلّا هو ، ثمَّ
قرأ : شهد الله أنّه لا إله إلّا هو ، وأواخر الحشر ، ثمَّ نزل فصلّى أربع ركعات قبل الزوال .

قال : وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : الله معناه المعبود الّذي يأله فيه الخلق ، (5) ويؤله
إليه ، والله هو المستور عن درك الأبصار ، المحجوب عن الأوهام واالخطرات .

قال الباقر عليه‌السلام : الله معناه المعبود الّذي أله الخلق عن درك مائيّته والإحاطة
بكيفيّته ، ويقول العرب : أله الرجل : : إذا تحيّر في الشيء فلم يحط به علماً ، ووله : إذا
فزع إلى شيء ممّا يحذره ويخافه ، فالإله هو المستور عن حواسّ الخلق .

قال الباقر عليه‌السلام : الأحد الفرد المتفرّد ، والأحد والواحد بمعنى واحد (6) وهو

________________________

(1) وفي نسخة : فهو متفرد بالتوحد .

(2) وفي نسخة : وأنه تعالى عن ذلك .

(3) وفي نسخة : قرأ يوم بدر قل هو الله أحد .

(4) طارد الاقران : حمل بعضهم على بعض .

(5) وفي نسخة : تألّه فيه الخلق .

(6) لعل المراد أن الاحد والواحد الذان يتصف بهما الله تعالى معناهما واحد ، لا مطلقهما حيث
يستعمل . أو أن الواحد الذي يستعمل في غير باب الاعداد والاجناس مترادف مع الواحد في المعنى . كما
تقدم تفصيل ذلك في الحديث الاول فتامل .