بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 101

والنظام والاتّفاق ، وجهته فوق ، وأكثرهم على أنّه مرتفع من ناحية الشمال .

وزعم بعضهم أنّه بجنب الظلمة وأجناسه خمسة : أربعة منها أبدان ، والخامسة
روحها : فالأبدان النار والريح والنور والماء ، وروحها النسيم ، وهي تتحرّك في هذه
الأبدان ، وصفاته حسنة خيّرة طاهرة زكيّة .

وقال بعضهم : كون النور لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجوّ ، وأرض النور
لم تزل لطيفة على غير صورة هذه الأرض بل على صورة جرم الشمس ، وشعاعها كشعاع
الشمس ، ورائحتها طيّبة أطيب رائحة ، وألوانها ألوان قوس قزح .

وقال بعضهم : ولا شيء إلّا الجسم ، والأجسام على ثلاثة أنواع : أرض النور ، وهي
خمسة . وهناك جسم آخر ألطف منه وهو الجوّ وهو نفس النور ، وجسم آخر ألطف منه
وهو النسيم وهو روح النور . قال : ولم يزل يولّد ملائكة وآلهة أولياء ليس على سبيل
المناكحة بل كما يتولّد الحكمة من الحكيم ، والنطق الطيّب من الناطق . وملك ذلك
العالم هو روحه ، ويجمع عالمه الخير والحمد والنور .

وأمّا الظلمة فجوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر ، و
نفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارّة جاهلة ، وفعلها الشرّ والفساد ، والضرر والغمّ و
التشويش والاختلاف ، وجهتها تحت ، وأكثرهم على أنّها منحطّة من جانب الجنوب .

وزعم بعضهم : أنّها بجنب النور ، وأجناسها خمسة : أربعة منها أبدان والخامسة
روحها ، فالأبدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب ، وروحها الدخان ، وهو
يتحرّك في هذه الأبدان ، وأمّا صفاتها فهي خبيثة شريرة نجسة دنسة .

وقال بعضهم : كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجوّ ، فأعرض الظلمة
لم تزل كثيفة لي غير صورة هذه الأرض بل هي أكثف وأصلب ، ورائحتها كريهة أنتن الروائح
وألوانها السواد .

وقال بعضهم : ولا شيء إلّا الجسم ، والأجسام على ثلاثة أنواع : أرض الظلمة ،
وجسم آخر أظلم منه وهو الدخان ، وجسم آخر أظلم منه وهو السموم ، وقال : ولم يزل
تولّد الظلمة شياطين وعفاريت لا على سبيل المناكحة بل كما يتولّد الحشرات من

 

العفونات القذرة قال : وملك ذلك العالم هو روحه ، ويجمع عالمه الشرّ والذميمة و
الظلمة .

ثمَّ اختلفت المانويّة في المزاج وسببه ، والخلاص وسببه ؛ قال بعضهم إنَّ النور
والظلام امتزجا بالخبط والاتّفاق لا بالقصد والاختيار ، وقال أكثرهم : إنَّ سبب الامتزاج
أنَّ أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل فنظرت الروح فرأت الأبدان على
ممازجة النور ، فأجابتها لإسراعها إلى الشرّ ، فلمّا رأى ذلك ملك النور وجّه إليها ملكاً
من ملائكته في خمسة أجزاء من أجناسها الخمسة ، فاختلطت الخمسة النوريّة بالخمس
الظلاميّة ؛ فخالط الدخان النسيم ، وإنّما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم ،
والهلاك والآفات من الدخان ؛ وخالط الحريق النار ؛ والنور الظلمة ؛ والسموم الريح ؛
والضباب الماء . فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور ، وما فيه من مضرّة
وشرّ وفساد فمن أجناس الظلمة ، فلمّا رأى ملك النور هذه الامتزاج أمر ملكاً من ملائكته
فخلق هذا العالم على هذه الهيئة ليخلص أجناس النور من أجناس الظلمة ، وإنّما سارت
الشمس والنجوم والقمر لاستصفاء أجزاء النور من أجزاء الظلمة . هذا ما ذكر الشهرستانيّ
من تحقيق مذهبهم مع خرافات آخر نقلها عنهم .

وقال ابن أبي الحديد : قالت المانويّة : إنَّ النور لا نهاية له من جهة فوق وأمّا
من جهة تحت فله نهاية ؛ والظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل وأمّا من جهة فوق فلها
نهاية ؛ وكان النور والظلمة هكذا قبل خلق العالم وبينهما فرجة ، وإنَّ بعض أجزاء
النور اقتحم تلك الفرجة لينظر إلى الظلمة فأشرقت الظلمة فأقبل عالم كثير من النور
فجاءت الظلمة ليستخلص المأمورين من تلك الأجزاء ، (1) وطاعت الحرب واختلط كثير من
أجزاء النور بكثير من أجزاء الظلمة ، فاقتضى حكمة نور الأنوار وهو الباري سبحانه
عندهم أن عمل الأرض من لحوم القتلى ، والجبال من عظامهم ، والبحار من صديدهم (2)
ودمائهم ، والسماء من جلودهم ، وخلق الشمس والقمر وسيّرهما لاستصفاء ما في العالم
________________________

(1) وفي نسخة : ليتخلص المأمورين من تلك الاجزاء .

(2) الصديد : القيح المختلط بالدم .