بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 88

أن ينطلق قاصداً مستمرّاً لا يرجع ، ولا يهوي إلي شيء يمرّ به من الشجرة والبقول حتّى
يأتي الشجرة الّتي سألته أن يأتيك بثمرها ، والبقلة الّتي طلبتها حيث كانت من أدنى
الحديقة أو أقصاها فيأتيك بها ؟ قال : نعم . قلت : أفرأيت لو قال لك صاحب الحديقة حيث
سألته الثمرة : ادخل الحديقة فخذ حاجتك فإنّي لا أقدر على ذلك ، هل كنت تقدر
أن تنطلق قاصداً لا تأخذ يميناً ولا شمالاً حتّى تنتهي إلى الشجرة فتجتني منها ؟ قال : و
كيف أقدر على ذلك ولا علم لي في أيّ مواضع الحديقة هي ؟ قلت : أفليس تعلم أنّك لم
تكن لتصيبها دون أن تهجم عليها بتعسّف وجولان في جميع الحديقة حتّى تستدلّ عليها
ببعض حواسّك بعد ما تتصفّح فيها من الشجرة شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتّى تسقط
على الشجرة الّتي تطلب ببعض حواسّك إن تأتيها ، وإن لم ترها انصرفت ؟ .

قال : وكيف أقدر على ذلك ولم اُعاين مغرسها حيث غرست ، ولا منبتها حيث
نبتت ، ولا ثمرتها حيث طلعت . قلت : فإنّه ينبغي لك أن يدلّك عقلك حيث عجزت
حواسّك عن إدراك ذلك إنّ الّذي غرس هذا البستان العظيم فيما بين المشرق والمغرب
وغرس فيه هذه الأشجار والبقول هو الّذي دلّ الحكيم الّذي زعمت أنّه وضع الطبّ
على تلك العقاقير ومواضعها في المشرق والمغرب ؛ وكذلك ينبغي لك أن تستدلّ بعقلك
على أنّه هو الّذي سمّاها وسمّى بلدتها وعرف مواضعها كمعرفة صاحب الحديقة الّذي
سألته الثمرة ، وكذلك لا يستقيم ولا ينبغي أن يكون الغارس والدالّ عليها إلّا الدالّ على
منافعها ومضارّها وقراريطها ومثاقيلها .

قال : إنَّ هذا لكما تقول . قلت : أفرأيت لو كان خالق الجسد وما فيه من العصب
واللّحم والأمعاء والعروق الّتي يأخذ فيها الأدوية إلى الرأس وإلى القدمين وإلى ما سوى
ذلك غير خالق الحديقة وغارس العقاقير ، هل كان يعرف زنتها ومثاقيلها وقراريطها وما
يصلح لكلّ داء منها ، وما كان يأخذ في كلّ عرق ؟ .

قال : وكيف يعرف ذلك أو يقدر عليه وهذا لا يدرك بالحواسّ ، ما ينبغي أن يعرف
هذا إلّا الّذي غرس الحديقة وعرف كلّ شجرة وبقلة وما فيها من المنافع والمضارّ
قلت : أفليس كذلك ينبغي أن يكون الخالق واحداً ؟ لأنّه لو كان إثنين أحدهما خالق

الدواء والآخر خالق الجسد والداء لم يهتد غارس العقاقير لإيصال دوائه إلى الداء الّذي
بالجسد ممّا لا علم له به ، ولا اهتدى خالق الجسد إلى علم ما يصلح ذلك الداء من تلك
العقاقير ، فلمّا كان خالق الداء والدواء واحداً أمضى الدواء في العروق الّتي برأ وصوّر
إلى الداء الّذي عرف ووضع فعلم مزاجها من حرّها وبردها وليّنها وشديدها وما يدخل
في كلّ دواء منه من القراريط والمثاقيل ، وما يصعد إلى الرأس وما يهبط إلى القدمين
منها وما يتفرّق منه فيما سوى ذلك .

قال : لا أشكّ في هذا لأنّه لو كان خالق الجسد غير خالق العقاقير لم يهتد واحد
منهما إلى ما وصفت . قلت : فإنّ الّذي دلّ الحكيم الّذي وصفت أنّه أوّل من خلط
هذه الأدوية ودل على عقاقيرها المتفرِّقة فيما بين المشرق والمغرب ، ووضع هذا الطبّ
على ما وصفت لك هو صاحب الحديقة فيما بين المشرق والمغرب ، وهو باني الجسد ،
وهو دلّ الحكيم بوحي منه على صفة كلِّ شجرة وبلدها ، وما يصلح منها من العروق
والثمار والدهن والورق والخشب واللّحاء ؛ وكذلك دلّه على أوزانها من مثاقيلها و
قراريطها وما يصلح لكلِّ داء منها ، وكذلك هو خالق السباع والطير والدوابّ الّتي في
مرارها المنافع ممّا يدخل في تلك الأدوية فإنّه لو كان غير خالقها لم يدر ما ينتفع به
من مرارها وما يضرّ وما يدخل منها في العقاقير ؛ فلمّا كان الخالق سبحانه وتعالى واحداً
دلَّ على ما فيه من المنافع منها فسمّاه باسمه حتّى عرف وترك ما لا منفعة فيه منها ،
فمن ثمَّ علم الحكيم أيّ السباع والدوابّ والطير فيه المنافع ، وأيّها لا منفعة فيه ، ولولا
أنَّ خالق هذه الأشياء دلّه عليها ما اهتدى بها .

قال : إنَّ هذا لكما تقول وقد بطلت الحواسّ والتجارب عند هذه الصفات . قلت
أمّا إذا صحّت نفسك فتعال ننظر بعقولنا ونستدلّ بحواسّنا ، هل كان يستقيم لخالق
هذه الحديقة وغارس هذه الأشجار وخالق هذه الدوابّ والطير والناس الّذي خلق
هذه الأشياء لمنافعهم أن يخلق هذا الخلق ويغرس هذا الغرس في أرض غيره ممّا إذا شاء
منعه ذلك ؟ .

قال : ما ينبغي أن تكون الأرض الّتي خلقت فيها الحديقة العظيمة وغرست فيه