بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 115

له معنىً سوى ما يتعلّمه الإنسان لمعرفة الحساب ، ويدور عليه عقد الأصابع عند ضبط
الآحاد والعشرات والمئات والاُلوف ، ولذلك متى أراد مريد أن يخبر غيره عن كمّيّة شيء
بعينه سمّاه باسمه الأخصّ ، ثمَّ قرن لفظة الواحد ، به وعلّقه عليه يدلّ به على كمّيّته لا على
ما عدا ذلك من أوصافه ، ومن أجله يقول القائل : درهم واحد ، وإنّما يعني به أنّه درهم
فقط ، وقد يكون الدرهم درهماً بالوزن ودرهماً بالضرب فإذا أراد المخبر أن يخبر عن
وزنه قال : درهم واحد بالوزن ، وإذا أراد أن يخبر عن عدده أو ضربه قال : درهم واحد
بالعدد ، ودرهم واحد بالضرب . وعلى هذا الأصل يقول القائل : هو رجل واحد ، وقد
يكون الرجل واحداً بمعنى أنّه إنسان وليس بإنسانين ، ورجل ليس برجلين ، وشخص
ليس بشخصين ، ويكون واحداً في الفضل ، واحداً في العلم ، واحداً في السخاء ، واحداً
في الشجاعة ، فإذا أراد القائل أن يخبر عن كمّيّته قال : هو رجل واحد فدلّ ذلك من قوله
على أنّه رجل وليس هو برجلين ، وإذا أراد أن يخبر عن فضله قال : هذا واحد عصره ،
فدلّ ذلك على أنّه لا ثاني له في الفضل ، وإذا أراد أن يدلّ على علمه قال : إنّه واحد في
علمه ، فلو دلّ قوله : واحد بمجرّده على الفضل والعلم كما دلّ بمجرّده على الكمّيّة
لكان كلُّ من اطلق عليه لفظة واحد أراد فاضلاً لا ثاني له في فضله ، وعالماً لا ثاني له في
علمه ؛ وجواداً لا ثاني له في جوده ، فلمّا لم يكن كذلك صحّ (1) أنَّه بمجرّده لا يدلّ
إلّا على كمّيّة الشيء دون غيره ، وإلّا لم يكن لما اُضيف إليه من قول القائل : واحد عصره
ودهره فائدة ، ولا كان لتقييده بالعلم والشجاعة معنىً لأنّه كان يدلّ بغير تلك الزيادة
وبغير ذلك التقييد على غاية الفضل وغاية العلم والشجاعة ؛ فلمّا احتيج معه إلى زيادة لفظ
واحتيج إلى التقييد بشيء صحّ ما قلناه . فقد تقرّر أنّ لفظة القائل واحد إذا قيل على
الشيء دلّ بمجرّده على كمّيّة في اسمه الأخصّ ، ويدلُّ بما يقترن به على فضل المقول عليه
وعلى كماله وعلى توحّده بفضله وعلمه وجوده ، وتبيّن أنّ الدرهم الواحد قد يكون
درهماً واحداً بالوزن ، ودرهماً واحداً بالعدد ، ودرهماً واحداً بالضرب ، وقد يكون
بالوزن درهمين ، وبالضرب درهماً واحداً ، ويكون بالدوانيق ستّة دوانيق ، وبالفلوس

ستّين فلساً ، ويكون بالأجزاء كثيراً ، وكذلك يكون العبد عبداً واحداً ولا يكون
عبدين بوجه ، ويكون شخصاً واحداً ولا يكون شخصين بوجه ، ويكون أجزاءاً كثيرة
وأبعاضاً كثيرة ، وكلّ بعض من أبعاضه يكون جواهر كثيرة متّحدة اتّحد بعضها ببعض
وتركّب بعضها مع بعض ، ولا يكون العبد واحداً وإن كان كلّ واحد منه في نفسه إنّما هو
عبد واحد ، وإنّما لم يكن العبد واحداً لأنّه ما من عبد إلّا وله مثل في الوجود أو في
المقدور ، وإنّما صحّ أن يكون للعبد مثل لأنّه لم يتوحّد بأوصافه الّتي من أجلها صار
عبداً مملوكاً ، ووجب لذلك أن يكون الله عزَّ وجلَّ متوحّداً بأوصافه العلى وأسمائه
الحسنى ليكون إلهاً واحداً فلا يكون له مثل ويكون واحداً لا شريك له ولا إله غيره ،
فالله تبارك وتعالى إله واحد لا إله إلّا هو ، وقديم واحد لا قديم إلّا هو ، وموجود واحد
ليس بحالّ ولا محلّ ، ولا موجود كذلك إلّا هو ، وشيء واحد لا يجانسه ولا يشاكله شيء
ولا يشبهه شيء ، ولا شيء كذلك إلّا هو ، فهو كذلك موجود غير منقسم في الوجود ولا في الوهم ،
وشيءٌ لا يشبهه شيء بوجه ، وإله لا إله غيره بوجه ، وصار قولنا : يا واحد يا أحد في الشريعة اسماً
خاصّاً له دون غيره ، لا يسمّى به إلّا هو عزَّ وجلَّ ، كما أنّ قولنا : الله اسم لا يسمّى به غيره .

وفصل آخر في ذلك وهو أنَّ الشيء قد يعدّ مع ما جانسه وشاكله وماثله ، يقال : هذا
رجل ، وهذان رجلان ، وثلاثة رجال . وهذا عبد ، وهذا سواد ، وهذا عبدان ، و
هذا سوادان . ولا يجوز على هذا الأصل أن يقال : هذان إلهان إذ لا إله إلّا إله واحد ،
فالله لا يعدّ على هذا الوجه ، ولا يدخل في العدد من هذا الوجه بوجه . وقد يعدّ الشيء
مع ما لا يجانسه ولا يشاكله ، يقال : هذا بياض ، وهذان بياض وسواد ، وهذا محدَث ، و
هذان محدَثان ، وهذان ليسا بمحدَثين ولا بمخلوقين . بل أحدهما قديم والآخر محدَث ،
وأحدهما ربٌّ والآخر مربوب ، فعلى هذا الوجه يصحّ دخوله في العدد ، وعلى هذا النحو
قال الله تبارك وتعالى : « مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ
وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا
» الاية . وكما أنَّ قولنا : فلان إنّما هو
رجل واحد لا يدلُّ على فضله بمجرّده كذلك قولنا : فلان ثاني فلان لا يدلّ بمجرّده
إلّا على كونه ، وإنّما يدلُّ على فضله متى قيل : إنّه ثانية في الفضل ، أو في الكمال ، أو العلم .