بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 120

نسروهم فيها فهزمهم ، (1) وقتل من قتل ، وهرب من هرب فتفرّقوا في البلاد ، وأمر بالصنم
فحمل وألقى في البحر ، فاتّخذت كلّ فرقة منهم صنماً ، وسمّوها بأسمائها فلم يزالوا بعد
ذلك قرناً بعد قرن لا يعرفون إلّا تلك الأسماء ثمّ ظهرت نبوّة نوح عليه‌السلام (2) فدعاهم
إلى عبادة الله وحده ، وترك ما كانوا يعبدون من الأصنام ؛ فقال بعضهم : لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
.

بيان : ارفضاض الشيء : تفرّقه ، وترفّض : تكسّر . وانحاز عنه : عدل .

9 ـ ثو : أبي ، عن سعد ، عن البرقيّ ، عن أبي الجوزاء ، عن الحسين بن علوان ، عن
منذر ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : ذكر أنّ سلمان قال : إنَّ رجلاً دخل الجنّة في ذباب
وآخر دخل النار في ذباب . فقيل له : وكيف ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال : مرّا على قوم في
عيد لهم ، وقد وضعوا أصناماً لهم لا يجوز بهم أحد حتّى يقرّب إلى أصنامهم قرباناً قلَّ
أم كثر ، فقالوا لهما ، لا تجوزا حتّى تقرِّبا كما يقرِّب كل ُّمن مرَّ ، فقال أحدهما :
ما معي شيء اُقرِّبه ، وأخذ أحدهما ذباباً فقرَّبه ، ولم يقرِّب الآخر ، فقال : لا اُقرِّب
إلى غير الله جلَّ وعزَّ شيئاً فقتلوه فدخل الجنّة ، ودخل الآخر النار .

10 ـ شى : عن الزهريّ قال : أتى رجل أبا عبد الله عليه‌السلام فسأله عن شيء فلم
يجبه ، فقال له الرجل : فإن كنت ابن أبيك فإنّك من أبناء عبدة الأصنام ؛ فقال له :
كذبت إنَّ الله أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة ففعل ، فقال إبراهيم : رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا
الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ
. فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنماً قطّ ،
ولكنّ العرب عبدة الأصنام ، وقالت بنو إسماعيل : هؤلاء شفعاؤنا عند الله فكفرت
ولم تعبد الاصنام .

بيان : لعلّ المراد أنّهم أقرُّوا بوحدانيّة الصانع ، وإن أشركوا من جهة العبادة
والسجود لها ، فنفى عليه‌السلام عنهم أعظم أنواع الشرك وهو الشرك في الربوبيّة وقد مرَّت
الإشارة إلى الفرق بينهما في الباب السابق .

 

11 ـ كا : محمّد بن يحيى ، عن بعض أصحابه ، عن العبّاس بن عامر ، عن أحمد بن
رزق الغمشانيّ ، عن عبد الرحمن بن الأشلّ بيّاع الأنماط ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال :
كانت قريش تلطّخ الأصنام الّتي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر ، وكان يغوث قبالة
الباب ، وكان يعوق عن يمين الكعبة ، وكان نسراً عن يسارها ، وكانوا إذا دخلوا خرُّوا
سجّداً ليغوث ، ولا ينحنون (3) ثمَّ يستديرون بحيالهم إلى يعوق ، ثمَّ يستديرون بحيالهم
إلى نسر ، ثمَّ يلبّون فيقولون : لبّيك اللّهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك ، إلّا شريك هو
لك ، تملكه وما ملك . قال : فبعث الله ذباباً أخضر له أربعة أجنحة ، فلم يبق من ذلك
المسك والعنبر شيئاً إلّا أكله ، وأنزل الله عزَّ وجلَّ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا
لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ
شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
.

12 ـ فس : قال عليُّ بن إبراهيم في قوله : « أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ » قال :
نزلت في قريش وذلك أنّه ضاق عليهم المعاش فخرجوا من مكّة وتفرقوا ، وكان الرجل
إذا رأى شجرة حسنة ، أو حجراً حسناً هواه فعبده ، وكانوا ينحرون لها النعم ، ويلطّخونها
بالدم ويسمّونها سعد صخرة ، وكان إذا أصابهم داء في إبلهم وأغنامهم جاؤوا إلى الصخرة
فيتمسّحون بها الغنم والإبل ؛ فجاء رجل من العرب بإبل له يريد أن يتمسّح بالصخرة
إبله ويبارك عليها ، فنفرت إبله وتفرّقت ، فقال الرجل شعراً :

أتيت إلى سعد ليجمع شملنا
 

õ

فشتّتنا سعد فما نحن من سعد
 

وما سعد إلّا صخرة مسوّدة
 

õ

من الأرض لا تهدي لغيّ ولا رشد
 

ومرَّ به رجل من العرب والثعلب يبول عليه فقال شعراً :

أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ؟
 

õ

لقد ذلّ من بالت عليه الثالب !
 

________________________

(1) وفي نسخة : فهزموهم .

(2) وفي نسخة : فظهرت نبوة نوح عليه السلام .

(3) وفي نسخة : ولا يحيّون .