بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 104

عكس ذلك لأنّ الأبدان عندهم من فعل الظلمة ، ولا نحكم بقدرة الربّ وعلمه وحكمته
إلّا بما نشاهد من تلك الأبدان المختلفة ، والأشجار والثمار ، والطيور والدوابّ ،
ولا نشاهد ممّا يقولون من الأواح شيئاً ؛ فيلزمهم على قياس ذلك أن تكون الظلمة
إلهاً قادراً حكيماً عليماً . فقوله عليه‌السلام : من صوّر مبتداء ، وقوله : يجب أن يكون
إلهاً خبره . وقوله : كلُّ شيء معطوف على قوله : هذا الخلق .

الخامس : قولهم : بأنّ النور في حبس الظلمة ينافي القول بربوبيّته لانَّ كونه محبوساً
يستلزم عجزه ونقصه ، وكلٌّ منهما ينافي الربوبيّة كما مرَّ ، وما ادّعوا من أنّه في القيامة
يغلب النور عليها فمع أنّه لا ينفع في دفع الفساد فهو دعوى من غير حجّة . وأيضاً يلزمهم
أن لا يكون للنور فعل لإنّه أسير . وإن قالوا : بأنَّ له أيضاً فعلاً من الخلق والتدبير
فليس بأسير لأنَّ العقل يحكم بأنَّ الخالق المدبّر لا بدّ من أن يكون عزيزاً منيعاً قادراً
قاهراً على كلّ من سواه فلمّا ثبت على قياس قولهم أنّه أسير فيلزمهم بما قرّرنا أن
يكون ما في العالم من الإحسان والخير أيضاً من فعل الظلمة ، فإن حكموا باستحالة
ذلك أي كون الخير من الظلمة فقد بطل أصل كلامهم ، وهو الحكم بتوزيع الخلق ، وثبت
ما قلناه : من أنّ الربّ تعالى واحد لا يشاركه ولا يضادّه في ملكه أحد .

وأمّا مذهب المرقوبيّة فقد بيّن عليه‌السلام بطلانه بأنّ القول بالحَكم ينافي القول
بربوبيّة النور ، لأنّ الحَكم يكون قاهراً والنور مقهوراً ، وبديهة العقل حاكمة ببطلان
كون الربّ مقهوراً . وأيضاً يلزم أن يكون الحَكم اَعلم بالحكمة من النور الّذي حكمتم
أنّه ربٌّ ، والضرورة قاضية بأنّ الربّ الخالق لمثل هذا الخلق المدبّر لهذا النظام لا يكون
جاهلاً . هذا جملة القول في هذا الخبر على ما ناله فهمي القاصر ، وبسط القول فيه يحتاج
إلى كتاب مفرد معمول لذلك . والله الموفّق لكلّ خير .

6 ـ فس : ثمَّ ردَّ على الثنويّة الّذين قالوا بإلهين فقال تعالى : مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ
مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰه إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ
. قال :

لو كان إلهين كما زعمتم لكانا يخلقان ، فيخلق هذا ولا يخلق هذا ، ويريد هذا ولا يريد
هذا ، ولطلب كلّ واحد منهما الغلبة ، وإذا أراد أحدهما خلق إنسان وأراد الآخر

 

خلق بهيمة فيكون إنساناً وبهيمة في حالة واحدة وهذا غير موجود ، فلمّا بطل هذا
ثبت التدبير ، والصنع لواحد ؛ ودلّ أيضاً التدبير وثباته وقوام بعضه ببعض على أنَّ الصانع
واحد جلّ جلاله ، وذلك قوله : ما اتّخذ الله من ولد الآية ، ثمَّ قال أنفاً : سُبْحَانَ اللَّـهِ
عَمَّا يَصِفُونَ
.

بيان : أنفاً بالتحريك أي استنكافاً وتنزُّهاً .

7 ـ يد ، مع : أبي ، عن سعد ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن الربيع بن محمّد
قال : سمعت أبا الحسن عليه‌السلام ـ وسئل عن الصمد ـ فقال : الصمد الّذي لا جوف له .

8 ـ يد ، مع : الدقّاق ، عن الكلينيّ ، عن علّان ، عن سهل ، عن محمّد بن وليد ـ و
لقبه شبّاب الصيرفي ـ عن داود بن القاسم الجعفريّ قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : جعلت
فداك ما الصمد ؟ قال : السيّد المصمود إليه (1) في القليل والكثير .

9 ـ يد : ابن الوليد ، عن محمّد العطّار ، عن الأشعريّ ، عن الميثميّ ، عن صفوان بن
يحيى ، عن أبي أيّوب ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إنَّ اليهود سألوا
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا : انسب لنا ربّك فلبث ثلاثاً لا يجيبهم ، ثمَّ نزلت هذه السورة إلى
آخرها فقلت : ما الصمد ؟ فقال : الّذي ليس بمجوّف .

10 ـ يد : أبي ، عن سعد ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن الحسن بن أبي
السريّ ، عن جابر بن يزيد قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن شيء من التوحيد ، فقال : إنّ
الله تباركت أسماؤه الّتي يدعا بها ، وتعالى في علوّ كنهه ، واحد توحّد بالتوحيد في علوّ
توحيده ، (2) ثمَّ أجراه على خلقه فهو واحد صمد قدُّوس ، يعبده كلُّ شيء ، ويصمد إليه
كلُّ شيء ، ووسع كلَّ شيء علماً .

ايضاح : واحد خبر « إنّ » والجملتان معترضتان أي تطهّرت أسماؤه عن النقائص
أو كثرت صفات جلاله وعظمته ، أو ثبت ولا يعتريها التغيّر ، وكلمة « في » في قوله : في
علوِّ كنهة تعليليّة . وقوله عليه‌السلام : توحّد بالتوحيد أي لم يكن في الأزل أحد يوحّده
________________________

(1) صمد إليه : قصده .

(2) وفي نسخة : في علو توحده .