بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 102

من أجزاء النور المختلطة بأجزاء الظلمة ، وجعل حول العالم خندقاً خارج الفلك الأعلى
يطرح فيه الظلام المستصفى ، فهو لا يزال يزيد ويتضاعف ويكثر في ذلك الخندق وهو ظلام
صرف قد استصفى نوره .

وأمّا النور المستخلص فيلحق بعد الاستصفاء بعالم الأنوار فلا تزال الأفلاك
متحرّكة والعالم مستمرّاً إلى أن يتمّ استصفاء النور بالممتزج ، وحينئذ يبقى من النور
الممتزج شيء منعقد باطل لا تقدر النيران على استصفائه ، فعند ذلك تسقط الأجسام العالية
ـ وهي الأفلاك ـ على الأجسام السافلة ـ وهي الأرضون ـ وتفور نار تضطرم في تلك الأسافل
وهي المسمّاة بجهنّم ، ويكون الاضطرام مقدار ألف وأربعمائة سنة ، فتحلّل بتلك النار
تلك الأجزاء المنعقدة من النور الممتزجة بأجزاء الظلمة الّتي عجز الشمس والقمر عن
استصفائها فيرتفع إلى عالم الأنوار ويبطل حينئذ ، ويعود النور كلّه إلى حاله الاُولى
قبل الامتزاج وكذلك الظلمة .

الثالث : المرقوبيّة أثبتوا أصلين متضادّين : أحدهما النور ، والثاني الظلمة ، و
أثبتوا أصلاً ثالثاً هو المعدّل الجامع وهو سبب المزاج ، فإنَّ المتنافرين المتضادّين
لا يمتزجان إلّا بجامع ، وقالوا : الجامع دون النور في الرتبة ، وفوق الظلمة وحصل من
الاجتماع والامتزاج هذا العالم .

ومنهم من يقول : الامتزاج إنّما يحصل بين الظلمة والمعدّل إذ هو قريب منها
فامتزج به ليتطيّب به ويلتذَّ ملاذَّه فبعث النور إلى العالم الممتزج روحاً مسيحيّة وهو
روح الله وابنه تحنّناً على المعدّل السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم حتّى يخلّصه
من حبائل الشياطين ، فمن اتّبعه فلم يلامس النساء ولم يقرب الزهومات أفلت ونجا ،
ومن خالفه خسر وهلك . قالوا : وإنّما أثبتنا المعدّل لأنَّ النور الّذي هو الله تعالى لا
يجوز عليه مخالطة الشيطان ، فإنَّ الضدّين يتنافران طبعاً ، ويتمانعان ذاتاً ونفساً فكيف
يجوز اجتماعهما وامتزاجهما ؟ فلا بدّ من معدّل تكون منزلته دون النور وفوق الظلام فيقع
المزاج معه . كذا ذكره الشهرستانيّ .

وقال ابن أبي الحديد : قول المجوس هو أنَّ الغرض من خلق العالم أن يتحصّن

 

الخالق جلّ اسمه من العدوّ (1) وأن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدوّ فيه ، ويجعله في ربط
ووثاق . والعدوّ عندهم هو الشيطان وبعضهم يعتقد قدمه وبعضهم حدوثه .

قال قوم منهم : إنّ الباري عز وجل استوحش ففكر فكرة رديّة فتولّد منها
الشيطان . وقال آخرون : بل شكّ شكّاً رديّاً فتولّد الشيطان من شكّه . وقال
آخرون : بل تولّد من عفونة رديّة قديمة .

وزعموا أنّ الشيطان حارب الباري سبحانه ؛ وكان في الظلمة لم يزل بعيداً عن
سلطان الباري سبحانه فلم يزل يزحف حتّى رأى النور فوثب وثبة عظيمة فصار في
سلطان الله تعالى في النور ، وأدخل معه البلايا والشرور فبنى الله سبحانه هذه الأفلاك
والأرض والعناصر شبكة له ، وهو فيها محبوس لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الأوّل
والظلمة فهو أبداً يضطرب ويرمي الآفات على خلق الله سبحانه فمن أحياه الله رماه
الشيطان بالموت ، ومن أصحّه رماه الشيطان بالسقم ، ومن سرّه رماه الشيطان بالحزن
والكأبة فلا يزال كذلك . وكلّ يوم ينتقص سلطانه وقوّته لأنّ الله تعالى يحتال له
كلّ يوم ويضعّفه إلى أن تذهب قوّته كلّها ، ويخمد ويصير جماداً جامداً هوائيّاً ، و
يجمع الله تعالى أهل الأديان فيعذّبهم بقدر ما يطهّرهم ويصفّيهم من طاعة الشيطان ،
ويغسّلهم من الأدناس ثمّ يدخلهم الجنّة وهي لا أكل فيها ولا شرب ولا تمتّع ، ولكنّها
موضع لذّة وسرور .

أقول : لمّا عرفت هذه المذاهب السخيفة المزخرفة الّتي يغني تقريرها عن
التعرّض لإبطالها وتزييفها فلنرجع إلى توضيح الخبر .

فنقول : يظهر من كلامه عليه‌السلام أنّ الديصانيّة قالوا : بقدم الطينة أي الظلمة ،
وبحدوث الامتزاج ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما نسبه الشهرستانيّ إلى الزروانيّة
حيث قال : زعم بعضهم أنّه كان لم يزل مع الله شيء رديّ إمّا فكرة رديّة ، وإمّا
عفونة رديّة ، وذلك هو مصدر الشيطان ، وزعموا أنّ الدنيا كانت سليمة من الشرور
والآفات ، وكان أهلها في خير محض ونعيم خالص فلمّا حدث « أهرمن » حدثت الشرور
والآفات والفتن ، (2) وكان بمعزل من السماء فاحتال حتّى خرق السماء وصعد .

________________________

(1) وفي نسخة : أن ينحصر الخالق جل اسمه من العدو .

(2) وفي نسخة : والافات والمحن .