بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 99

بيان : يحتمل تلك الأخبار وجوهاً :

الأوَّل : أن يكون عليه‌السلام أحال معنى الواحد على ما هو المعروف بين الناس وأعرض
عنه ، واستدلّ عليه بما جبل عليه جميع العقول من الإذعان بتوحيده .

الثاني : أن يكون المراد به أنَّ معنى الواحد هو الّذي أقرَّ به كلُّ ذي عقل إذا
صرف عنه الأغراض النفسانيّة .

الثالث : أن يكون هذا اللّفظ بحسب الشرع موضوعاً لهذا المعنى مأخوذاً فيه
إجماع الألسن . 

ثمَّ الظاهر أن يكون الآية احتجاجاً على مشركي قريش حيث كانوا يقرُّون
بأنَّ الخالق لجميع المخلوقات هو الله تعالى ، ومع ذلك كانوا يعبدون الأصنام ويقولون :
هؤلاء شفعاؤنا عند الله ؛ ويحتمل أن يكون المراد أنّ غرائز الخلق كلّها مجبولة على
الإذعان بتوحيده فإذا رجعوا إلى أنفسهم وتركوا العصبيّة والعناد يرون أنفسهم مذعنةً
بذلك ، وينبّه على ذلك أنّهم عند اضطرارهم في المهالك والمخاوف لا يلجؤون إلّا إليه
كما نبّه تعالى عليه في مواضع من القرآن المجيد ؛ والأوّل أظهر فإنّ للتوحيد ثلاثة
معان : الأوّل توحيد واجب الوجود ، والثاني توحيد صانع العالم ومدبّر النظام ، و
الثالث توحيد الإله وهو المستحقّ للعبادة ، وكان مشركوا القريش مخالفين في المعنى
الثالث .

5 ـ ج : عن هشام بن الحكم أنّه سأل الزنديقُ الصادق عليهم‌السلام عن قول من زعم
أنّ الله لم يزل معه طينة موذية فلم يستطع التفصّي  منها إلّا بامتزاجه بها ودخوله فيها
فمن تلك الطينة خلق الأشياء . قال : سبحان الله وتعالى ما أعجز إلهاً يوصف بالقدرة لا
يستطيع التفصّي من الطينة ! إن كانت الطينة حيّة أزليّة فكانا إلهين قديمين فامتزجا

 

ودبّرا العالم من أنفسهما ، فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت والفنا ، وإن كانت
الطينة ميتة فلا بقاء للميّت مع الأزليّ القديم والميّت لا يجيىء منه حيٌّ . (1) هذه مقالة
الديصانيّة أشدّ الزنادقة قولاً وأهملهم مثلاً ، نظروا في كتب قد صنّفتها أوائلهم ،
وحبروها  لهم بألفاظ مزخزفة من غير أصل ثابت ، ولا حجّة توجب إثبات ما ادّعوا ،
كلُّ ذلك خلافاً على الله وعلى رسله ؛ وتكذيباً بما جاؤوا به عن الله .

فأمّا من زعم أنّ الأبدان ظلمة والأرواح نور وأنّ النور لا يعمل الشرّ والظلمة
لا تعمل الخير فلا يجب عليهم أن يلوموا أحداً على معصيته ، ولا ركوب حرمة ، ولا إتيان
فاحشة ، وأنّ ذلك على الظلمة غير مستنكر لأنّ ذلك فعلها ، ولا له أن يدعو ربّاً ، ولا
يتضرّع إليه ، لأنَّ النور ربٌّ ، والربّ لا يتضرّع إلى نفسه ، ولا يستعيذ بغيره ، ولا لأحد
من أهل هذه المقالة أن يقول : أحسنت وأسأت ، لأنّ الإساءة من فعل الظلمة وذلك
فعلها ، والإحسان من النور ، ولا يقول النور لنفسه : أحسنت يا محسن ، وليس هناك
ثالث ، فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلاً وأتقن تدبيراً وأعزّ أركاناً من النور
لأنّ الأبدان محكمة فمن صوّر هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة ، وكلّ شيء
يرى ظاهراً من الظهر والأشجار والثمار والطير والدوابّ يجب أن يكون إلهاً ثمّ حبست
النور في حبسها والدولة لها ، وما ادّعوا بأنّ العاقبة سوف تكون للنور فدعوىً ، وينبغي
على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل لأنّه أسير ، وليس له سلطان فلا فعل له ولا
تدبير ، وإن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز فإن لم يكن كذلك
وكان أسير الظلمة فإنّه يظهر في هذا العالم إحسان وخير مع فساد وشرّ ، فهذا يدلّ
على أنَّ الظلمة تحسن الخير وتفعله كما تحسن الشرّ وتفعله ، فإن قالوا : محال ذلك
فلا نور يثبت ولا ظلمة ، وبطلت دعواهم ويرجع الأمر إلى أنَّ الله واحد وما سواه باطل
فهذه مقالة « ماني » الزنديق وأصحابه .

وأمّا من قال : النور والظلمة بينهما حَكم فلا بدّ من أن يكون أكبر الثلاثة

________________________

(1) وفي نسخة : والميت لا يحيى منه حي .