بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 91

ونخلاً ، وحدائق غلباً ، وفاكهةً وأبّاً ، بتدبير مؤلّف مبيّن ، بتصوير الزهرة والثمرة حياة
لبني آدم ، ومعاشاً يقوم به أجسادهم ، وتعيش بها أنعامهم الّتي جعل الله في أصوافها
وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ، والانتفاع بها والبلاغ على ظهورها معاشاً
لهم لا يحيون إلّا به ، وصلاحاً لا يقومون إلّا عليه ، وكذلك ما جهلت من الأشياء فلا تجهل
أنّ جميع ما في الأرض شيئان : شيء يولد ، وشيء ينبت ، أحدهما آكل ، والآخر
مأكول ، وممّا يدلّك عقلك أنّه خالقهم ما ترى من خلق الإنسان وتهيئة جسده لشهوة
الطعام ، والمعدة لتطحن المأكول ، ومجاري العروق لصفوة الطعام ، وهيّأ لها الأمعاء ،
ولو كان خالق المأكول غيره لما خلق الأجساد مشتهية للمأكول وليس له قدرة عليه .

قال : لقد وصفت صفة أعلم أنّها من مدبّر حكيم لطيف قدير عليم ، قد آمنت
وصدّقت أنّ الخالق واحد سبحانه وبحمده ، غير أنّي أشكّ في هذه السمائم القاتلة
أن يكون هو الّذي خلقها لأنّها ضارّة غير نافعة ! قلت : أليس قد صار عندك أنّها من
غير خلق الله ؟ قال : نعم لأنّ الخلق عبيده ولم يكن ليخلق ما يضرّهم . قلت : ساُبصّرك
من هذا شيئاً تعرفه ولا اُنبّئك إلّا من قبل إهليلجتك هذه وعلمك بالطبّ ، قال : هات .
قلت : هل تعرف شيئاً من النبت ليس فيه مضرّة للخلق ؟ قال : نعم . قلت : ما هو ؟ قال :
هذه الأطعمة . قلت : أليس هذا الطعام الّذي وصفت يغيّر ألوانهم ، ويهيّج أوجاعهم
حتّى يكون منها الجذام والبرص والسلال (1) والماء الأصفر ، وغير ذلك من الأوجاع ؟
قال : هو كذلك ؟ قلت : أمّا هذا الباب فقد انكسر عليه . قال : أجل . قلت : هل تعرف
شيئاً من النبت ليس فيه منفعة ؟ قال : نعم .

قلت : أليس يدخل في الأدوية الّتي يدفع بها الأوجاع من الجذام والبرص
والسلال وغير ذلك ، ويدفع الداء ويذهب السقم ممّا أنت أعلم به لطول معالجتك قال :
إنّه كذلك .

قلت : فأخبرني أيّ الأدوية عندكم أعظم في السمائم القاتلة ؟ أليس الترياق ؟

قال : نعم هو رأسها وأوَّل ما يفرغ إليه عند نهش الحيّات (2) ولسع الهوامّ وشرب
السمائم .

قلت : أليس تعلم أنّه لا بدّ للأدوية المرتفعة والأدوية المحرقة في أخلاط الترياق
إلّا أن تطبخ بالأفاعي القاتلة ؟ قال : نعم هو كذلك ولا يكون الترياق المنتفع به
الدافع للسمائم القاتلة إلّا بذلك ، ولقد انكسر ، عليَّ هذا الباب ، فأنا أشهد أن لا إله
إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنّه خالق السمائم القاتلة والهوامّ العادية ، وجميع
النبت والأشجار ، وغارسها ومنبتها ، وبارئ الأجساد ، وسائق الرياح ، ومسخّر
السحاب ، وأنّه خالق الأدواء الّتي تهيج بالإنسان كالسمائم القاتلة الّتي تجري في
أعضائه وعظامه ، ومستقرّ الأدواء وما يصلحها من الدواء ، العارف بالروح ومجرى الدم و
أقسامه في العروق واتّصاله بالعصب والأعضاء والعصب والجسد ، وأنّه عارف بما يصلحه
من الحرّ والبرد ، عالم بكلّ عضو بما فيه ، وأنّه هو الّذي وضع هذه النجوم وحسابها
والعالم بها ، والدالّ على نحوسها وسعودها وما يكون من المواليد ، وأنَّ التدبير واحد
لم يختلف متّصل فيما بين السماء والأرض وما فيها ؛ فبيّن لي كيف قلت ، هو الأوّل
والآخر وهو اللّطيف الخبير وأشباه ذلك ؟ قلت : هو الاوَّل بلا كيف ، وهو الآخر
بلا نهاية ، ليس له مثل ، خلق الخلق والأشياء لا من شيء ولا كيف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر
ولا كيف ، كما أنّه لا كيف له ، وإنّما الكيف بكيفيّة المخلوق لأنّه الأوَّل لا بدءَ له
ولا شبه ولا مثل ولا ضدّ ولا ندّ ، لا يدرك ببصر ولا يحسُّ بلمس ، ولا يعرف إلا بخلقه تبارك
وتعالى .

قال : فصف لي قوَّته . قلت : إنّما سمّي ربّنا جلَّ جلاله قويّاً للخلق العظيم
القويّ الّذي خلق مثل الأرض وما عليها من جبالها وبحارها ورمالها وأشجارها
وما عليها من الخلق المتحرّك من الإنس ومن الحيوان ، وتصريف الرياح والسحاب المسخّر
المثقّل بالماء الكثير ، والشمس والقمر وعظمهما وعظم نورهما الّذي لا تدركه الأبصار
بلوغاً ولا منتهاً ، والنجوم الجارية ، ودوران الفلك ، وغلظ السماء ، وعظم الخلق العظيم

________________________

(1) السل بالكسر في اللغة الهزال ، وفي الطب القديم قرحة في الرية ، وانما سمى المرض به
لان من لوازمه هزال البدن ، ولان الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة .

(2) نهش الحية : تناوله بفمه ليعضّه فيؤثر فيه ولا يجرحه .