بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 87

أم كيف عرفت حواسّه أنَّ الّذي يسقى لوجع الرأس لا ينحدر إلى الرجلين ، والانحدار أهون
عليه من الصعود ؟ والّذي يسقى لوجع القدمين لا يصعد إلى الرأس ، وهو إلى الرأس عند
السلوك أقرب منه ؟ وكذلك كلّ دواء يسقي صاحبه لكلّ عضو لا يأخذ إلّا طريقه في العروق
الّتي تسقى له ، وكلّ ذلك يصير إلى المعدة ومنها يتفرَّق ؟ أم كيف لا يسفل منه ما صعد
ولا يصعد منه ما انحدر ؟ أم كيف عرفت الحواسّ هذا حتّى علم أنَّ الّذي ينبغي للاُذن
لا ينفع العين وما ينتفع به العين لا يغني من وجع الاُذن ، وكذلك جميع الأعضاء يصير كلّ
داء منها إلى ذلك الدواء (1) الّذي ينبغي له بعينه ؟ فكيف أدركت العقول والحكمة
والحواسّ هذا وهو غائب في الجوف ، والعروق في اللّحم ، وفوقه الجلد لا يدرك بسمع
ولا ببصر ولا بشمّ ولا بلمس ولا بذوق ؟ .

قال : لقد جئت بما أعرفه (2) إلّا أنّنا نقول : إنّ الحكيم الّذي وضع هذه الأدوية
وأخلاطها كان إذا سقى أحداً شيئاً من هذه الأدوية فمات شقّ بطنه وتتبّع عروقه ونظر
مجاري تلك الأدوية وأتى المواضع الّتي تلك الأدوية فيها . قلت : فأخبرني ألست
تعلم أنّ الدواء كلّه إذا وقع في العروق اختلط بالدم فصار شيئاً واحداً ؟ قال : بلى .

قلت : أما تعلم أنَّ الإنسان إذا خرجت نفسه برد دمه وجمد ؟ قال : بلى . قلت :
فكيف عرف ذلك الحكيم دواءه الّذي سقاه للمريض بعد ما صار غليظاً عبيطاً ليس
بأمشاج يستدلّ عليه بلون فيه غير لون الدم ؟ قال : لقد حملتني على مطيّة صعبة ما حمّلت
على مثلها قطّ ، ولقد جئت بأشياء لا أقدر على ردّها .

شرح : قوله عليه‌السلام : خلط بعض هذه الأدوية الخلط بالكسر : ما يخلط بالشيء
أي ما يدخل في بعض هذه الأدوية المركّبة . قوله عليه‌السلام : ثمّ وضع مثالها على شبهها
أي ضمّ كلّما وجد من كلّ نوع إلى مثله لأنّه يشبهه ويوافقه في الصفة أو ترك الأشياء
الّتي تشبه ما يريده ، وإن كانت موافقة له في الصفات فإنَّ كثيراً من العقاقير تشتبه بغيرها
لاتّفاقهما في كثير من الصفات . قوله عليه‌السلام : فكيف بقيت لعلَّ المفروض أنَّ ذلك كان

في مبادي خلق العالم لقدم ذلك العلم فيلزم من التجارب الكثيرة فناء الحيوانات لقلّتها
في تلك الأزمنة . قوله عليه‌السلام : ليس بأمشاج أي أشياء مختلطة متمايزة .

أقول : كلامه عليه‌السلام يدلّ على أنّ خواصّ الأدوية وأجناسها ومنافعها ومناسبتها
للأمراض إنّما وصل إلى الخلق بإخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ولم يصل الخلق
إليها بعقولهم وتجاربهم .

متن : قلت : فأخبرني من أين علم العباد ما وصفت من هذه الأدوية الّتي فيها
المنافع لهم حتّى خلطوها وتتبّعوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرّقة ، وعرفوا مواضعها
ومعادنها في الأماكن المتبائنة ، وما يصلح من عروقها وزنتها من مثاقيلها وقراريطها ،
وما يدخلها من الحجارة ومرار السباع وغير ذلك ؟ قال : قد أعييت عن إجابتك (3) لغموض
مسائلك وإلجائك إيّاي إلى أمر لا يدرك علمه بالحواسّ ، ولا بالتشبيه ، والقياس ، ولا بدّ
أن يكون وضع هذه الأدوية واضع ، لأنّها لم تضع هي أنفسها ، ولا اجتمعت حتّى
جمعها غيرها بعد معرفته إيّاها ، فأخبرني كيف علم العباد هذه الأدوية الّتي فيها المنافع
حتّى خلطوها وطلبوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرّقة ؟ .

قلت : إنّي ضاربٌ لك مثلاً وناصبٌ لك دليلاً تعرف به واضع هذه الأدوية
والدالّ على هذه العقاقير المختلفة وباني الجسد وواضع العروق الّتي يأخذ فيها الدواء
إلى الداء . قال : فإن قلت ذلك لم أجد بدّاً من الانقياد إلى ذلك . قلت : فأخبرني عن
رجل أنشأ حديقة عظيمة ، وبنى عليها حائطاً وثيقاً ، ثمَّ غرس فيها الأشجار والأثمار
والرياحين والبقول ، وتعاهد سقيها وتربيتها ، ووقاها ما يضرّها ، حتّى لا يخفى عليه
موضع كلّ صنف منها فإذا أدركت أشجارها وأينعت أثمارها (4) واهتزّت بقولها
دفعت إليه (5) فسألته أن يطعمك لوناً من الثمار والبقول سمّيته له أتراه كان قادراً على

________________________

(1) في نسخة : يصير كل دواء منها إلى ذلك الداء .

(2) في نسخة : لقد جئت بما أعرف .

(3) أي قد اعجزت عن إجابتك .

(4) اينع الثمر : أدرك وطاب وحان قطافه . وفي بعض النسخ : ايفع أثمارها . فهو من أيفع
الغلام : ترعرع وناهز البلوغ .

(5) في نسخة : ذهبت اليه .