في الشفتين ليجد ابن آدم لذَّة مطعمه ومشربه . ثمَّ قال جعفر عليهالسلام لأبي حنيفة : أخبرني
عن كلمة أوَّلها شرك وآخرها إيمان ، قال : لا أدري . قال : هي لا إله إلّا الله ، لو قال : لا إله
كان شرك ، ولو قال : إلّا الله كان إيمان . ثمَّ قال جعفر عليهالسلام : ويحك أيّهما أعظم قتل
النفس أو الزنا ؟ قال : قتل النفس . قال : فإنَّ الله عزّ وجلّ قد قبل في قتل النفس شاهدين
ولم يقبل في الزنا إلّا أربعة ، ثمَّ أيّهما أعظم الصلاة أم الصوم ؟ قال : الصلاة . قال : فما
بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ؟ فكيف يقوم لك القياس ؟ فاتّق الله ولا تقس .
12 ـ ما : الحسين بن عبيد الله الغضائريّ ، عن هارون بن موسى ، عن عليِّ بن معمَّر
عن حمدان بن معافا ، عن العبّاس بن سليمان ، عن الحارث بن التيهان ، قال : قال لي
ابن شبرمة : دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمّد عليهماالسلام فسلّمت عليه ـ وكنت له صديقاً ـ
ثمَّ أقبلت على جعفر فقلت : أمتع الله بك ، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل ، فقال له
جعفر عليهالسلام : لعلّه الّذي يقيس الدين برأيه ، ثمّ أقبل عليَّ ، فقال : هذا النعمان بن ثابت ؟
فقال أبو حنيفة : نعم أصلحك الله . فقال : اتّق الله ولا تقس الدين برأيك . ـ وساق الحديث
نحو ما مرَّ إلى قوله عليهالسلام ـ : ولا تقضي الصلاة ، اتّق الله يا عبد الله فإنّا نحن وأنتم غداً إذا
خلقنا بين يدي الله عزّ وجلّ ، ونقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتقول أنت وأصحابك :
اُسمعنا وأرينا ، فيفعل بنا وبكم ما شاء الله عزّ وجلّ .
13 ـع : أبي وابن الوليد معاً ، عن سعد ، عن البرقيّ ، عن شعيب بن أنس ، عن
بعض أصحاب أبي عبد الله عليهالسلام قال : كنت عند أبي عبد الله عليهالسلام إذ دخل عليه غلام كندة
فاستفتاه في مسألة فأفتاه فيها ، فعرفت الغلام والمسألة فقدمت الكوفة فدخلت على
أبي حنيفة ، فإذا ذاك الغلام بعينه يستفتيه في تلك المسألة بعينها فأفتاه فيها بخلاف ما أفتاه
أبو عبد الله عليهالسلام ، فقمت إليه فقلت : ويلك يا أبا حنيفة إنّي كنت العام حاجّاً فأتيت
أبا عبد الله عليهالسلام مسلّماً عليه فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذا المسألة بعينها فأفتاه
بخلاف ما أفتيته . فقال : وما يعلم جعفر بن محمّد أنا أعلم منه ، أنا لقيت الرجال وسمعت
من أفواههم ، وجعفر بن محمّد صحفيٌّ ، فقلت في نفسي : والله لاحجّنَّ ولو حبواً قال : فكنت
في طلب حجّة فجاءتني حجّة فحججت فأتيت أبا عبد الله عليهالسلام فحكيت له الكلام فضحك
ثمّ قال : عليه لعنة الله أمّا في قوله : إنّي رجل صحفيٌّ فقد صدق ، قرأت صحف إبراهيم و
موسى ، فقلت له : ومن له بمثل تلك الصحف ؟ قال : فما لبثت أن طرق الباب طارق وكان
عنده جماعة من أصحاب فقال للغلام : انظر من ذا ؟ فرجع الغلام فقال : أبو حنيفة . قال : أدخله
فدخل فسلّم على أبي عبد الله عليهالسلام فردَّ عليهالسلام ، ثمَّ قال : أصلحك الله أتأذن لي في القعود
فأقبل على أصحابه يحدِّثهم ولم يلتفت إليه . ثمَّ قال الثانية والثالثة فلم يلتفت إليه ،
فجلس أبو حنيفة من غير إذنه فلمّا علم أنّه قد جلس التفت إليه فقال : أين أبو حنيفة ؟
فقال هو ذا أصلحك الله ، فقال : أنت فقيه أهل العراق . قال : نعم . قال : فبما تفتيهم ؟ قال
بكتاب الله وسنّة نبيّه قال : يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حقَّ معرفته وتعرف الناسخ و
المنسوخ ؟ قال : نعم ، قال : يا أبا حنيفة ولقد إدَّعيت علماً ، ويلك ما جعل الله ذلك إلّا عند
أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم ، ويلك ولا هو إلّا عند الخاصِّ من ذرِّيّة نبيّنا صلى الله عليه وآله ، وما
ورَّثك الله من كتابه حرفاً ، فإن كنت كما تقول ـ ولست كما تقول ـ فأخبرني عن قول الله
عزَّ وجلَّ : سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ . أين ذلك من الأرض ؟ قال : أحسبه ما بين مكّة
والمدينة ، فالتفت أبو عبد الله عليهالسلام إلى أصحابه فقال : تعلمون أنَّ الناس يقطع عليهم بين
المدينة ومكّة فتؤخذ أموالهم ولا يأمنون على أنفسهم ويقتلون ؟ قالوا : نعم . قال : فسكت
أبو حنيفة ، فقال : يا أبا حنيفة أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : مَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا . أين ذلك
من الأرض ؟ قال : الكعبة . قال : أفتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على
ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمناً فيها ؟ قال : فكست ، ثمَّ قال : يا أبا حنيفة إذا ورد
عيك شيءٌ ليس في كتاب الله ولم تأت به الآثار والسنّة كيف تصنع ؟ فقال : أصلحك الله
أقيس وأعمل فيه برأيي . قال : يا أبا حنيفة إنَّ أوّل من قاس إبليس الملعون ، قاس على ربّنا
تبارك وتعالى فقال : أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . فسكت أبو حنيفة . فقال
يا أبا حنيفة أيّما أرجس البول أو الجنابة ؟ فقال : البول . فقال : الناس يغتسلون من الجنابة
ولا يغتسلون من البول ، فسكت : فقال : يا أبا حنيفة أيّما أفضل الصلاة أم الصوم ؟ قال
الصلاة . فقال : فما بال الحائض تقضي صومها ولا تقضي صلاتها ؟ فسكت . قال ، يا أبا حنيفة
أخبرني عن رجل كانت له اُمُّ ولد وله منها ابنة ، وكانت له حرَّة لا تلد فزارت الصبيّة