بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 256

فقاء عين صحيح (1) وأقطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدُّ ؟ قال : إنّما أنا رجلٌ عالم
بمباعث الأنبياء ! قال : فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى
فرعون : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ . ولعلَّ منك شكُّ ؟ قال : نعم ، قال : فكذلك من الله شكٌّ
إذ قال : لعلّه ؟ قال أبو حنيفه : لا علم لي ! قال عليه‌السلام : تزعم أنّك تفتي بكتاب الله ولست
ممّن ورثه ، وتزعم أنّك صاحب قياس وأوَّل من قاس إبليس ، ولم يبنَ دين الإسلام على
القياس ، وتزعم أنّك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله صواباً ومن دونه
خطاءاً ، لأنَّ الله تعالى قال : احكم بينهم بما أراك الله . ولم يقل ذلك لغيره ، وتزعم أنَّك
صاحب حدود ومن اُنزلت عليه أولى بعلمها منك ، وتزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء و
لَخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك ، لولا أن يقال دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شيء
ما سألتك عن شيء فقس إن كنت مقيساً . قال : لا تكلّمت بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا
المجلس . قال : كلّا إنَّ حبَّ الرئاسة غير تاركك لم يترك من كان قبلك . تمام الخبر .

بيان : غرضه عليه‌السلام بيان جهله وعجزه عن استنباط الأحكام الشرعيّة بدون
الرجوع إلى إمام الحقّ . والمقيس لعلّه اسم آلة أو اسم مكان . وسيأتي شرح كلُّ جزء من
أجزاء الخبر في المقام المناسب لذكره ، وذكرها هناك موجب للتكرار .

5 ـ ج : عن عيسى بن عبد الله القرشيّ ، قال : دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه‌السلام
فقال : يا أبا حنيفة قد بلغني أنّك تقيس ، فقال : نعم . فقال : لا تقس فإنَّ أوَّل من قاس
إبليس لعنه الله حين قال : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . فقاس ما بين النار والطين ، ولو قاس
نوريّة آدم بنوريّة النار عرف ما بين النورين وضياء أحدهما على الآخر .

ايضاح : يحتمل أن يكون المراد بالقياس هنا أعمَّ من القياس الفقهي من
الاستحسانات العقليّة والآراء الواهية الّتي لم تؤخذ من الكتاب والسنّة ، ويكون
المراد أنَّ طريق العقل ممّا يقع فيه الخطأ كثيراً فلا يجوز الاتّكال عليه في اُمور الدين ،
بل يجب الرجوع في جميع ذلك إلى أوصياء سيّد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين وهذا
هو الظاهر في أكثر أخبار هذا الباب ، فالمراد بالقياس هنا القياس اللّغويّ ، ويرجع قياس

إبليس إلى قياس منطقيّ مادَّته مغالطة ، لأنّه استدلَّ أوَّلاً على خيريّته بأنَّ مادَّته من نار
ومادَّة آدم من طين ، والنار خير من الطين فاستنتج من ذلك أن مادَّته خير من مادَّة آدم ثمَّ
جعل ذلك صغرى ورتّب القياس هكذا : مادَّته خيرٌ من مادَّة آدم ، وكلُّ من كان مادَّته
خيراً من مادَّة غيره يكون خيراً منه ، فاستنتج أنّه خير من آدم . ويرجع كلامه عليه‌السلام إلى
منع كبرى القياس الثاني بأنّه لا يلزم من خيريّة مادَّة أحد على غيره كونه خيراً منه ، إذ لعلّه
تكون صورة الغير في غاية الشرافة وبذلك يكون ذلك الغير أشرف ، كما أنَّ آدم لشرافة
نفسه الناطقة الّتي جعلها الله محلَّ أنواره ومورد أسراره أشدُّ نوراً وضياءاً من النار ، إذ نور
النار لا يظهر إلّا في المحسوسات ، ومع ذلك ينطفىء بالماء والهواء ويضمحلُّ بضوء الكواكب ،
ونور آدم نور به يظهر عليه أسرار الملك والملكوت ولا ينطفىء بهذه الأسباب والدواعي ،
ويحتمل أن يكون المراد بنور آدم عقله الّذي به نوَّر الله نفسه وبه شرَّفه على غيره ، ويحتمل
إرجاع كلامه عليه‌السلام إلى إبطال كبرى القياس الأوّل بأنَّ إبليس نظر إلى النور الظاهر
في النار وغفل عن النور الّذي أودعه الله في طين آدم لتواضعه ومذلّته ، فجعله لذلك محلَّ
رحمته ومورد فيضه ، وأظهر منه أنواع النباتات والرياحين والثمار والمعادن والحيوان ،
وجعله قابلاً لإفاضة الروح عليه ، وجعله محلّاً لعلمه وحكمته ، فنور التراب نور خفيٌّ
لا يطَّلع عليه إلّا من كان له نورٌ ، ونور النار نور ظاهر بلا حقيقة ولا استقرار ولا ثبات
ولا يحصل منها إلّا الرماد وكلُّ شيطان مريد . ويمكن حمل القياس هنا على القياس الفقهيّ
أيضاً لأنّه لعنه الله اسنتبط أوَّلاً علّة إكرام آدم فجعل علّة ذلك كرامة طينته ، ثمَّ قاس بأنَّ
تلك العلّة فيه أكثر وأقوى فحكم بذلك أنّه بالمسجوديّة أولى من الساجديّة ، فأخطأ
العلّة ولم يصب وصار ذلك سبباً لشركه وكفره ، ويدلُّ على بطلان القياس بطريق أولى
على بعض معانيه . وسيأتي تمام الكلام في ذلك وفي كيفيّة خلق آدم وإبليس في كتاب
السماء والعالم ، وكتاب قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إن شاء الله .

6 ـ ج : سأل محمّد بن الحسن (2) أبا الحسن موسى عليه‌السلام بمحضر من الرشيد وهم
________________________

(1) أي قلع عين صحيح .

(2) هو محمد بن الحسن الشيباني الفقيه الحنفي نشأ بالكوفة فطلب الحديث ولقى جماعة من
الاعلام وحضر مجلس أبي حنيفة سنين ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ، وصنف الكتب الكثيرة
النادرة ونشر علم أبي حنيفة ، وكان الرشيد قد ولاه قضاء الرقة ثم عزله عنها ، وقدم بغداد ولم يزل محمد