فكلّ هؤلاء يفسدون مساعيهم وأعمالهم بترك متمّماتها ، فالعالم بترك النشر يفسد علمه ،
وذو المال يفسد ماله بترك الحزم ، وكذا الّذي يا من ذا المكر يفسد ماله ونفسه وعزّه
ودينه . والسيّد الفظّ الغليظ يفسد سيادته ودولته أو إحسانه إلى الخلق والاُمّ تفسد
رأفتها ومساعيها بولدها وكذا الأخيران .
15 ـ ل : العطّار ، عن أبيه وسعد ، عن البرقيّ ، عن ابن ابي عثمان ، عن موسى بن
بكر ، عن أبي الحسن الأوّل ، عن أبيه عليهماالسلام قال : قال أمير المؤمنين عليهالسلام : عشرة يعنّتون
أنفسهم وغيرهم : ذو العلم القليل يتكلّف أن يعلّم الناس كثيراً ، والرجل الحليم ذو العلم الكثير
ليس بذي فطنة ، والّذي يطلب ما لا يدرك ولاينبغي له ، والكادّ غير المتّئد ، والمتّئد : الّذي
ليس له مع تؤدته علم ، وعالم غير مريد للصلاح ، ومريد للصلاح وليس بعالم ، والعالم
يحبّ الدنيا ، والرحيم بالناس يبخل بما عنده ، وطالب العلم يجادل فيه من هو أعلم
فإذا علّمه لم يقبل منه .
توضيح : قال الفيروزآباديّ : العنت محرّكةً : الفساد والإثم والهلاك ودخول
المشقّة على الإنسان ، وأعنته غيره . قوله : ليس بذي فطنة أي حصّل علماً كثيراً لكن
ليس بذي فطانة وفهم يدرك حقائقها ، فهو ناقص في جميعها . والتؤدة : الرزانة والتأنّي ،
والفعل : اتّأد وتوأّد . أي من يكدّ ويجدّ في تحصيل أمر لكن لا بالتأنّي بل بالتسرُّع
وعدم التثبّت ، فهؤلاء لا يحصل لهم في سعيهم سوى العنت والمشقّة .
16 ـ سن : أبي ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن الفضل بن عبد الملك ، عن
أبي عبد الله عليهالسلام قال : إنّ أبا جعفر عليهالسلام سئل عن مسألة فأجاب فيها ، فقال الرجل :
إنّ الفقهاء لا يقولون هذا ، فقال له أبي : ويحك إنّ الفقيه : الزاهد في الدنيا ، الراغب
في الآخرة ، المتمسّك بسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله .
17 ـ سن : الوشّاء ، عن مثنّى بن الوليد ، عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا جعفر
عليهالسلام يقول : كان في خطبة أبي ذرّ رحمة الله عليه : يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ومال عن
نفسك ، أنت يوم تفارقهم كضيف بتَّ فيهم ثمّ غدوت عنهم إلى غيرهم ، الدنيا والآخرة
كمنزل تحوّلت منه إلى غيره ، وما بين الموت والبعث إلّا كنومة نمتها ثمّ استيقظت
منها يا مبتغى العلم إنّ قلباً ليس فيه شيءٌ من العلم كالبيت الخرب لا عامر له .
بيان : لعلّ المراد بقوله : ما بين الموت والبعث أنّه مع قطع النظر عن نعيم القبر
وعذابه فهو سريع الانقضاء ، وينتهي الأمر إلى العذاب أو النعيم بغير حساب ، وإلّا فعذاب
القبر ونعيمه متّصلان بالدنيا ، فهذا كلام على التنزّل (1) ، أو يكون هذا بالنظر إلى الملهوّ
عنهم لا جميع الخلق .
18 ـ مص : قال الصادق عليهالسلام : الخشية ميراث العلم ، والعلم شعاع المعرفة وقلب
الإيمان ، ومن حرم الخشية لا يكون عالماً وإن شقّ الشعر في متشابهات العلم . قال الله
عز وجلّ : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . وآفة العلماء ثمانية أشياء : الطمع ، و
البخل ، والرياء ، والعصبيّة . وحبّ المدح ، والخوض فيما لم يصلوا إلى حقيقته ،
والتكلّف في تزيين الكلام بزوائد الألفاظ ، وقلّة الحياء من الله ، والافتخار ، وترك
العمل بما علموا .
19 ـ قال عيسى بن مريم عليهالسلام : أشقى الناس من هو معروف عند الناس بعلمه
مجهول بعمله .
20 ـ قال النبيّ صلى الله عليه وآله : لا تجلسوا عند كلّ داع مدّع يدعوكم من اليقين إلى الشكّ ،
ومن الإخلاص إلى الرياء ، ومن التواضع إلى الكبر ، ومن النصيحة إلى العداوة ، ومن
الزهد إلى الرغبة . وتقرّبوا إلى عالم يدعوكم من الكبر إلى التواضع ، ومن الرياء إلى
الإخلاص ، ومن الشكّ إلى اليقين ، ومن الرغبة إلى الزهد ، ومن العداوة إلى
النصيحة . ولا يصلح لموعظة الخلق إلّا من خاف هذه الآفات بصدقه ، وأشرف على عيوب
الكلام ، وعرف الصحيح من السقيم وعلل الخواطر وفتن النفس والهوى .
________________________
(1) هذا منه رحمه الله عجيب فان كون الموت نوماً والبعث كالانتباه عن النوم ليس مقصوراً بكلام
أبي ذر رحمه الله ، والاخبار مستفيضة بذلك على ما سيأتي في ابواب البرزخ وسؤال القبر وغير ذلك ؛
بل المراد ان نسبة الموت والبرزخ الى البعث كنسبة النوم الى الانتباه بعده . وأعجب منه قوله
ثانياً : أو يكون هذا بالنظر إلى الملهو عنهم لا جميع الخلق ، فان ترك بعض الاموات ملهوا عنه مما
يستحيل عقلا ونقلا ، وما يشعر به من الروايات مؤوّل او مطروح البتة . ط