في جميع تلك الخصال ، ويحتمل أن تكون كلمة « الواو » بمعنى « أو » فعلى الأوّل لا يظهر
الحكم فيما إذا كان الفضل في بعضها ، وعلى الثاني فيما إذا كان أحدهما فاضلاً في إحديهما ،
والآخر في الاُخرى ، وفي سؤال السائل إشعار بفهم المعنى الثاني . قوله عليهالسلام : المجمع
عليه اُستدلّ به على حجّيّة الإجماع ، وظاهر السياق أنّ المراد الاتّفاق في النقل لا
الفتوى ، ويدلّ على أنّ شهرة الخبر بين الأصحاب وتكرّره في الاُصول من المرجّحات
وعليه كان عمل قدماء الأصحاب رضوان الله عليهم . قوله عليهالسلام : وشبهات تتردّد بين
ذلك المراد الاُمور الّتي اشتبه الحكم فيها ، ويحتمل شموله لما كان فيه احتمال الحرمة
وإن كان حلالاً بظاهر الشريعة .
قوله عليهالسلام : ارتكب المحرّمات أي الحرام واقعاً فيكون محمولاً على الأولويّة
والفضل ، ويحتمل أن يكون المراد الحكم في المشتبهات ويكون الهلاك من حيث الحكم
بغير علم ويدلّ على رجحان الاحتياط بل وجوبه . قوله عليهالسلام : قد رواهما الثقاة عنكم
استدلّ به على جواز العمل بالخبر الموثّق وفيه نظر لانضمام قيد الشهرة ، ولعلّ تقريره
عليهالسلام لمجموع القيدين ، على أنّه يمكن أن يقال : الكافر لا يوثق بقوله شرعاً لكفره
وإن كان عادلاً بمذهبه . قوله عليه السلام : والسنّة . أي السنّة المتواترة . قوله عليهالسلام :
فارجه بكسر الجيم والهاء من أرجيت الأمر بالياء أو من أرجأت الأمر بالهمزة وكلاهما
بمعنى أخّرته ، فعلى الأوّل حذفت الياء في الأمر وعلى الثاني اُبدلت الهمزة ياءاً ثمّ
حذفت الياء ، والهاء ضمير راجع إلى الأخذ بأحد الخبرين ، أو بسكون الهاء لتشبيه المنفصل
بالمتّصل ، أو من أرجه الأمر أي أخّره عن وقته ، كما ذكره الفيروزآباديّ لكنّه تفرّد به
ولم أجده في كلام غيره . ثمّ قال الطبرسيّ رحمه الله : جاء هذا الخبر على سبيل التقدير
لأنّه قلّ ما يتّفق في الآثار أن يرد خبران مختلفان في حكم من الأحكام موافقين للكتاب و
السنّة ، وذلك مثل الحكم في غسل الوجه واليدين في الوضوء لأنّ الأخبار جاءت بغسلها
مرّةً مرّةً وبغسلها مرّتين مرّتين ، وظاهر القرآن لا يقتضي خلاف ذلك بل يحتمل كلتا
الروايتين ، ومثل ذلك يوجد في أحكام الشرع ، وأمّا قوله عليهالسلام للسائل : أرجه وقف عنده
حتّى تلقى إمامك أمره بذلك عند تمكّنه من الوصول إلى الإمام ، فأمّا إذا كان غائباً ولا
يتمكّن من الوصول إليه والأصحاب كلّهم مجمعون على الخبرين ولم يكن هناك رجحان
لرواة أحدهما على رواة الآخر بالكثرة والعدالة كان الحكم بهما من باب التخيير يدلّ
على ما قلناه ما روي عن الحسن بن جهم عن الرضا عليهالسلام أنّه قال : قلت للرضا عليهالسلام :
تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفةً قال : ما جاءك عنّا فقسه على كتاب الله عزّ وجلّ و
أحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منّا وإن لم يشبههما فليس منّا ، قلت : يجيئنا الرجلان
وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيّهما الحقّ ، فقال : إذا لم تعلم فموسّع عليك
بأيّهما أخذت .
وما رواه الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : إذا سمعت من أصحابك
الحديث وكلّهم ثقة فموسّع عليك حتى ترى القائم ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ فتردّه إليه .
وروي عن سماعة بن مهران قال سألت أبا عبد الله عليهالسلام قلت : يرد علينا حديثان
واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه ، قال : لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى
صاحبك فتسأله ، قال : قلت : لا بدّ من أن نعمل بأحدهما قال : خذ بما فيه خلاف
العامّة .
أمر عليهالسلام بترك ما وافق العامّة لأنّه يحتمل أن يكون قد ورد مورد التقيّة
وما خالفهم لا يحتمل ذلك .
وروي أيضاً عنهم عليهمالسلام أنّهم قالوا : إذا اختلفت أحاديثنا عليكم فخذوا بما
اجتمعت عليه شيعتنا فإنّه لا ريب فيه .
وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا يحتمل ذكره ههنا وما أوردناه عارض ليس هذا
موضعه . إلى هنا كلام الطبرسيّ والأخبار الّتي نقلها مع ما أورد بينها من كلامه .
أقول : ما ذكره في الجمع بين الخبرين من حمل الإرجاء على ما إذا تمكّن
من الوصول إلى إمامه والرجوع إليه والتخيير على عدمه هو أظهر الوجوه وأوجهها ،
وجمع بينهما بعض الأفاضل بحمل التخيير على ما ورد في العبادات ، وتخصيص الإرجاء
بما إذا تعلّق بالمعاملات والأحكام ، ويمكن الجمع بحمل الإرجاء على عدم الحكم
بأحدهما بخصوصه فلا ينافي جواز العمل بأيّهما شاء ، أو بحمل الإرجاء على الاستحباب