اقول : قد أثبتنا ما يناسب هذا الباب في باب ذمّ علماء السوء .
5 ـ مع : ماجيلويه ، عن عمّه ، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ ، عن حسين بن أيّوب بن
أبي غفيلة الصيرفيّ ، عن كرام الخثعميّ ، عن الثماليّ قال : قال أبو عبد الله عليهالسلام : إيّاك و
الرئاسة ، وإيّاك أن تطأ أعقاب الرجال ، فقلت : جعلت فداك : أمّا الرئاسة فقد عرفتها
وأمّا أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلّا ممّا وطئت أعقاب الرجال ، فقال : ليس
حيث تذهب ، إيّاك أن تنصب رجلاً دون الحجّة فتصدّقه في كلّ ما قال .
بيان : ظنّ السائل أنّ مراده عليهالسلام بوطىء أعقاب الرجال مطلق أخذ العلم عن
الناس فقال عليهالسلام : المراد أن تنصب رجلاً غير الحجّة فتصدّقه في كلّ ما يقول برأيه من
غير أن يُسند ذلك إلى المعصوم عليهالسلام فأمّا من يروي عن المعصوم أو يفسّر ما فهمه من كلامه
لمن ليس له صلاحيّة فهم كلامه من غير تلقين فالأخذ عنه كالأخذ عن المعصوم ، ويجب
على من لا يعلم الرجوع إليه ليعرف أحكام الله تعالى .
6 ـ مع : أبي ، عن سعد ، عن ابن أبي الخطّاب ، عن أبي حفص محمّد بن خالد ،
عن أخيه سفيان بن خالد قال : قال أبو عبد الله عليهالسلام : يا سفيان إيّاك والرئاسة ، فما طلبها
أحدٌ إلّا هلك ، فقلت له : جعلت فداك قد هلكنا إذاً ، ليس أحد منّا إلّا وهو يحبّ أن
يذكر ويقصد ويؤخذ عنه ، فقال ليس حيث تذهب إليه ، إنّما ذلك أن تنصب رجلاً دون
الحجّة فتصدّقه في كلّ ما قال ، وتدعو الناس إلى قوله .
7 ـ مع : ابن المتوكّل ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن
زياد ، قال : قال الصادق عليهالسلام : كذب من زعم أنّه يعرفنا وهو مستمسك بعروة غيرنا .
8 ـ م : قال أبو محمّد العسكريّ عليهالسلام : حدّثني أبي ، عن جدّي ، عن أبيه ، عن
رسول الله صلى الله عليه وآله : أنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء
فإذا لم ينزل عالم إلى عالم يصرف عنه طلّاب حطام الدنيا (1) وحرامها ، ويمنعون الحقّ
أهله ، ويجعلونه لغير أهله ، واتّخذ الناس رؤساءَ جهّالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا
وأضلّوا .
9 ـ وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودّتنا ، إيّاكم وأصحاب
الرأي فإنّهم أعداءُ السنن ، تفلّتت منهم الأحاديث أن يحفظوها ، وأعيتهم السنّة أن
يعوها ، فاتّخذوا عباد الله خولاً ، وماله دولاً ، فذلّت لهم الرقاب ، وأطاعهم الخلق أشباه
الكلاب ، ونازعوا الحقّ أهله ، وتمثّلوا بالأئمّة الصادقين وهم من الكفّار الملاعين ،
فسئلوا عمّا لا يعملون فأنفوا أن يعترفوا بأنّهم لا يعلمون ، فعارضوا الدين بآرائهم فضلّوا
وأضلّوا . أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما .
10 ـ وقال الرضا عليهالسلام : قال عليّ بن الحسين عليهماالسلام : إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته
وهديه ، وتماوت في منطقه ، وتخاضع في حركاته ، فرويداً لا يغرَّنّكم ، فما أكثر من
يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيّته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين
فخّاً لها (2) ، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكّن من حرام اقتحمه . وإذا وجدتموه
يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرَّنّكم فإنّ شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من
ينبو (3) عن المال الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّماً .
فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا ما عقده عقله ، فما أكثر
من ترك ذلك أجمع ، ثمّ لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه
بعقله ، فإذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا أمع هواه يكون على عقله ؟
أو يكون مع عقله على هواه ؟ وكيف محبّته للرئاسات الباطلة وزهده فيها فإنّ في الناس
من خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا ، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من
لذّة الأموال والنعم المباحة المحلّلة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة ، حتّى إذا قيل له :
اتّق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد . فهو يخبط خبط عشواء يقوده
أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمدّه ربّه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه .
فهو يُحلّ ما حرّم الله ، ويحرّم ما أحلّ الله ، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته
الّتي قد يتّقي من أجلها ، فاُولئك الّذين غَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِم وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا
________________________
(1) حطام الدنيا : متاعه وما فيها من مال كثير أو قليل .
(2) الفخ : الة يصاد بها .
(3) أي من ينفر عنه ولا يقبل إليه .