بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 127

والعمل تضيّعون ! ، يوشك ربّ العمل أن يطلب عمله ، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا
العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه ، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة ،
كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه ، واحتقر منزلته ، وقد علم أنّ ذلك من علم الله
وقدرته ؟ وكيف يكون من أهل العلم من اتّهم الله فيما قضى له فليس يرضى شيئاً أصابه ؟
كيف يكون من أهل العلم من دنياه عنده آثر (1) من آخرته وهو مقبل على دنياه ، وما
يضرّه أحبّ إليه ممّا ينفعه ؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلب
ليعمل به ؟ .

67 ـ ومن كلامه عليه‌السلام ويلٌ للعلماء السوء تصلى (2) عليهم النار . ثمّ قال : اشتدّت
مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة : أمّا مؤونة الدنيا فإنّك لا تمدّ يدك إلى شيء منها إلّا
فاجرٌ قد سبقك إليه ، وأمّا مؤونة الآخرة فإنّك لا تجد أعواناً يعينونك عليها .

68 ـ وعن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إنَّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن
القلوب كما يزلُّ المطر عن الصفا (3) .

69 ـ وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ في كلام له خطبه على المنبر ـ : أيّها الناس إذا علمتم
فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون ، إنَّ العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الّذي لا يستفيق
عن جهله ، بل قد رأيت الحجّة عليه أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ عن علمه
منها على هذا الجاهل المتحيّر في جهله ، وكلاهما حائر بائر (4) لا ترتابوا فتشكّوا ولا
تشكّوا فتكفروا ، ولا ترخصوا لأنفسكم ، فتدهنوا (5) ولا تدهنوا في الحقّ فتخسروا (6) ،
وإنّ من الحقّ أن تفقّهوا ، ومن الفقه أن لا تغترّوا ، وإنّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه ،

 

وأغشّكم لنفسه أعصاكم لربّه ، ومن يطع الله يا من ويستبشر ، ومن يعص الله يخب (7)
ويندم .

70 ـ وعن أبي عبد الله عليه‌السلام قال كان لموسى بن عمران عليه‌السلام جليس من أصحابه
قد وعى علماً كثيراً ، فاستأذن موسى في زيارة أقارب له ، فقال له موسى : إنّ لصلة القرابة
لحقّاً ، ولكن إيّاك أن تركن إلى الدنيا فإنَّ الله قد حملك علماً فلا تضيّعه وتركن إلى غيره ،
فقال الرجل : لا يكون إلّا خيراً ، ومضى نحو أقاربه فطالت غيبته ، فسأل موسى عليه‌السلام عنه
فلم يخبره أحد بحاله ، فسأل جبرئيل عليه‌السلام عنه ، فقال له : أخبرني عن جليسي فلان ألك
به علم ؟ قال : نعم هو ذا على الباب قد مسخ قرداً في عنقه سلسلةٌ ، ففزع موسى عليه‌السلام إلى
ربّه وقام إلى مصلّاه يدعو الله ، ويقول : يا ربّ صاحبي وجليسي ، فأوحى الله إليه يا موسى
لو دعوتني حتّى ينقطع ترقوتاك (8) ما استجبت لك فيه ، إنّي كنت حملته علماً فضيّعه وركن
إلى غيره .

71 ـ وقال أبو عبد الله عليه‌السلام : العلم مقرون إلى العمل ، فمن علم عمل ، ومن عمل علم ،
والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلّا ارتحل .

________________________

(1) آثره إيثارا : اختاره ، فضّله .

(2) صلى فلانا النار وفيها وعليها . أدخله إياها وأثواه فيها .

(3) الحجر الصلد الضخم .

(4) يقال : حائر وبائر . أي لا يطيع مرشداً ولا يتّجه لشيء .

(5) أي تخدعوا وتختلوا .

(6) أي فتضلوا وتهلكوا .

(7) أي لم ينجح .

(8) الترقوة : مقدم الحلق في أعلى الصدر حيث يترقّى فيه النفس .