مقدمة الكتاب ومفتتح الأبواب
بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ
الحمد لله الذي فطر العقول على معرفته ، ووهبها العلم بوجوب وجوده ، ووحدانيّته ، وتنزيهة عن النَقْصِ ، وكماله ، وحكمته .
الذي عامل عباده بالفَضْل العميم ، فلم يرضَ لهم المقام على الجهل الذميم ، بل أَرسل اليهم رسلاً يعلّمونهم دينه القويم ، ويهدونهم الى الحق والى صراط مستقيم ، فأوضح بذلك القصد ، لئلّا يكون للناس على الله حجّة .
وأشهد أن لا اِلٰه إلّا الله وحدَه لا شريك له ، الدالّ على طريق الهداية ، بما أبان من براهين النبوّة والولاية ، وسَهّلَ من مسالك الرواية والدراية .
وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله ، أرسله رأفةً ورحمةً ، وأتمَّ علينا به النعمة ، وكشفَ عنّا به كلّ غمة ، وأكمل له الدينَ ، وأيّده على المعاندين ، صلّى الله عليه وآله الهادين المهتدين صلاةً دائمةً إلى يوم الدين .
أمّا بعدُ :
فيقول الفقير إلى الله الغنيّ ، محمّد بن الحسن ، الحُرّ العامليّ ، عامله الله بلطفه الخفيّ : لا شكّ أَنّ العلم أشرف الصفات وأفضلها ، وأعظمها مزيةً
وأكملها ، إذ هو الهادي من ظلمات الجهالة ، المنقذ من لُجَج الضلالة ، الذي توضَعُ لطالبه أَجنحةُ الملائكة الأبرار ، ويستغفرُ له الطير في الهواء والحيتان في البحار ، ويفضل نومُ حامله على عبادة العبّاد ، ومدادُه على دماء الشهداء يوم المعاد .
ولا ريبَ أنّ علم الحديث أشرف العلوم وأوثقها ، عند التحقيق ، بل منه يستفيد اكثرها ـ بل كلّها ـ صاحبُ النظر الدقيق ، فهي ببذل العمر النفيس فيه حقيق .
وكيف لا ؟ وهو مأخوذ عن المخصوصين بوجوب الاتّباع ، الجامعين لفنون العلم بالنصّ والإجماع ، المعصومين عن الخطأ والخطل ، المنزّهين عن الخلل والزلل .
فطوبىٰ لمن صرف فيه نفيس الأوقات ، وأنفق في تحصيله بواقي الأيّام والساعات ، وطوىٰ لأَجله وثيرَ مهاده ، ووجّه اليه وجهَ سعيهِ وجهاده ، ونأىٰ عمّا سواهُ بجانبه ، وكان عليه اعتماده في جميع مطالبه ، وجعله عمادَ قصده ، ونظام أمره ، وبذل في طلبه وتحقيقه جميع عمره ، فتنزّه (1) قلبه في بديع رياضه ، وارتوىٰ صداه من نمير حياضه ، واستمسك في دينه بأوثق الأسباب ، واعتصم بأقوال المعصومين عن الخطأ والارتياب .