بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 82

ابن زياد (1) قال : سمعت جعفر بن محمّد عليهما‌السلام وقد سئل عن قوله تعالى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ .
فقال : إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : أكنت عالماً ؟ فإن قال : نعم قال له : أفلا
عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلاً قال له : أفلا تعلّمت حتّى تعمل ؟ فيخصمه
وذلك الحجّة البالغة .

59 ـ م : قال الإمام عليه السلام : دخل جابر بن عبد الله الأنصاريّ على أمير المؤمنين
عليه السلام فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا جابر قوام هذه الدنيا بأربعة : عالم يستعمل علمه ،
وجاهل لايستنكف أن يتعلّم ، وغنيٌّ جواد بمعروفه ، وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره ؛
ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام : فإذا كتم العالم العلم أهله وزها الجاهل في تعلّم ما لا بدّ
منه ، وبخل الغنيّ بمعروفه ، وباع الفقير دينه بدنيا غيره حلّ البلاءُ وعظم العقاب .

60 ـ جع : عن أبي ذرّ قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أباذرّ من خرج من بيته
يلتمس باباً من العلم كتب الله عزّ وجلّ له بكلّ قدم ثواب نبيّ من الأنبياء ، وأعطاه الله
بكلّ حرف يسمع أو يكتب مدينةً في الجنّة ، وطالب العلم أحبّه الله وأحبّه الملائكة
وأحبّه النبيّون ، ولا يحبُّ العلم إلّا السعيد ، فطوبى لطالب العلم يوم القيامة ، ومن
خرج من بيته يلتمس باباً من العلم كتب الله له بكلّ قدم ثواب شهيد من شهداء بدر ، و
طالب العلم حبيب الله ، ومن أحبّ العلم وجبت له الجنّة ، ويصبح ويمسي في رضا الله ،
ولا يخرج من الدنيا حتّى يشرب من الكوثر ، ويأكل من ثمرة الجنّة ، ويكون في
الجنّة رفيق خضر عليه السلام ، وهذا كلّه تحت هذه الآية : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ و
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
.

بيان : المراد بثواب النبي إمّا ثواب عمل من أعماله أو ثوابه الاستحقاقيّ ، فإنّه
قليل بالنظر إلى ما يتفضّل الله تعالى عليه من الثواب ، وكذا الشهيد .

61 ـ ضه : قال أمير المؤمنين عليه السلام : قوام الدين بأربعة : بعالم ناطق مستعمل له ،
وبغنيّ لا يبخل بفضله على أهل دين الله ، وبفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، وبجاهل
لا يتكبّر عن طلب العلم ، فإذا اكتتم العالم علمه ، وبخل الغنيُّ ، وباع الفقير آخرته
بدنياه ، واستكبر الجاهل عن طلب العلم ، رجعت الدنيا على تراثها قهقرى ولا تغرّنّكم
كثرة المساجد ، وأجساد قوم مختلفة . قيل : يا أمير المؤمنين كيف العيش في ذلك الزمان ؟
فقال : خالطوهم بالبرّانيّة يعني في الظاهر ، وخالفوهم في الباطن ، للمرء ما اكتسب ،
وهو مع من أحبّ ، وانتظروا مع ذلك الفرج من الله تعالى .

بيان : رجعت الدنيا على تراثها . كذا فيما عندنا من النسخ ولعلّ المراد رجعت
مع ما أورثه الناس من الأموال والنعم ، أي يسلب عن الناس نعمهم عقوبةً على هذه
الخصال ، والأصوب : على ورائها كما سيأتي . (2) وقال في النهاية : في حديث سلمان : من
أصلح جوّانيّه أصلح الله برّانيّه . أراد بالبرّاني : العلانية ، والألف والنون من زيادات
النسب ، كما قالوا في صنعاء صنعانيّ ، وأصله من قولهم : خرج فلان برّاً أي خرج إلى
البرّ والصحراء . قوله عليه السلام : للمرء ما اكتسب بيان لأنّه لايضرّكم الكون معهم ،
فإنّ لكم أعمالكم ، وأنتم تحشرون في الآخرة مع الأئمّة الّذين تحبّونهم .

62 ـ ضه : قال أمير المؤمنين عليه السلام : الشاخص في طلب العلم كالمجاهد في
سبيل الله ، إنّ طلب العلم فريضةٌ على كلّ مسلم ، وكم من مؤمن يخرج من منزله في
طلب العلم فلا يرجع إلّا مغفوراً .

63 ـ وقال عليه السلام : لا علم كالتفكّر ولا شرف كالعلم .

بيان : المراد بالشخوص الخروج من البلد ، أو الأعمّ منه ومن الخروج من
البيت . وقوله عليه السلام : لاعلم : كالتفكّر أي كالعلم الحاصل بالتفكّر ، أو المراد بالعلم
ما يوجبه مجازاً .

——————————————-

(1) هو مسعدة ، عنونه النجاشي في كتابه ص 295 فقال : مسعدة بن زياد الربعي ثقة ، عين ،
روى عن أبيعبد الله عليه السلام ، له كتاب في الحلال والحرام مبوب ، أخبرنا محمد بن محمد ، قال :
حدثنا أحمد بن محمد الزراري ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري ، قال : حدثنا هارون بن مسلم ،
عن مسعدة بن زياد بكتابه

(2) الظاهر أن المراد من رجوع الدنيا إلى تراثها رجوعها إلى الجاهليّة الاولى التي تركتها
أهل الجاهلية وقد نسخها الاسلام وبث العلم النافع في الدنيا ، ومع ترك العلم وافساد التربية الدينية
يرجع الناس الى تراثهم الاولى وهو الجهل والعمى والفساد . ط