فرّحهم بقدر رأفته ورحمته ، فما ظنّك بالرؤوف الرحيم الّذي يتودّد إلى من يؤذيه
بأولياءه ؟ فكيف بمن يؤذى فيه ؟ وما ظنّك بالتوّاب الرحيم الّذي يتوب على من يعاديه ؟
فكيف بمن يترضّاه ويختار عداوة الخلق فيه ؟ .
يا هشام من أحبّ الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه ، وما اُوتي عبد علماً فازداد
للدنيا حبّاً إلّا ازداد من الله بعداً وازداد الله عليه غضباً .
يا هشام إنّ العاقل اللّبيب من ترك ما لا طاقة له به ، وأكثر الصواب في خلاف
الهوى ، ومن طال أمله ساء عمله .
يا هشام لو رأيت مسير الأجل لألهاك عن الأمل .
يا هشام إيّاك والطمع ، وعليك باليأس ممّا في أيدي الناس ، وأمت الطمع من
المخلوقين ، فانّ الطمع مفتاح الذلّ ، واختلاس (2) العقل ، وإخلاق المروّات ، وتدنيس العرض ، والذهاب بالعلم ، وعليك بالاعتصام بربّك : والتوكّل عليه ، وجاهد نفسك
لتردّها عن هواها ، فإنّه واجب عليك كجهاد عدوّك . قال هشام : فأيّ الاعداء أوجبهم
مجاهدةً ؟ قال : أقربهم إليك ، وأعداهم لك ، وأضرّهم بك ، وأعظمهم لك عداوةً ،
وأخفاهم لك شخصاً مع دنوّه منك ، ومن يحرّض أعدائك عليك ، وهو إبليس
الموكّلُ بوسواس القلوب ، فله فلتشدّ عداوتك ، ولا يكوننّ أصبر على مجاهدتك
لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته ، فإنّه أضعف منك ركناً في قوّته ، وأقلّ منك
ضرراً في كثرة شرّه إذا أنت اعتصمت بالله ، ومن اعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم
________________________
(1) اللب : العقل الخالص من الشوائب ، أو ما ذكا من العقل ، فكل لب عقل ولا يعكس ، واللبيب
من كان ذا لب ، فكل لبيب عاقل ، ولا يعكس .
(2) الاختلاس : الاختطاف بسرعة على غفلة بخلاف الاستلاب فانّه لا يشترط فيه الغفلة .