بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 86

ما يعصر ويطبخ ، ومنها ما يعصر ولا يطبخ ، ممّا سمّي بلغات شتّى لا يصلح بعضها إلّا ببعض
ولا يصير دواءاً إلّا باجتماعها ؛ ومنها مرائر السباع والدوابّ البرّيّة والبحريّة ، وأهل
هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرّقون باللّغات ، متغالبون بالمناصبة ، (1) و
متحاربون بالقتل والسبي أفترى ذلك الحكيم تتبّع هذه البلدان حتّى عرف كلّ لغة
وطاف كلّ وجه ، وتتبع هذه العقاقير مشرقاً ومغرباً آمناً صحيحاً لا يخاف ولا يمرض ،
سليماً لا يعطب ، حيّاً لا يموت ، هادياً لا يضلّ ، قاصداً لا يجور (2) حافظاً لا ينسى ، نشيطاً
لا يملّ ، حتّى عرف وقت أزمنتها ، ومواضع منابتها مع اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين
ألوانها وتفرّق أسمائها ، ثمَّ وضع مثالها على شبهها وصفتها ، ثمَّ وصف كلّ شجرة بنباتها
وورقها وثمرها وريحها وطعمها ؟ أم هل كان لهذا الحكيم بدّ من أن يتّبع جميع أشجار
الدنيا وبقولها وعروقها شجرة شجرة ، وورقة ورقة ، شيئاً شيئاً ؟ فهبه وقع على الشجرة
الّتي أراد فكيف دلّته حواسّه على أنّها تصلح لدواء ، والشجر مختلف منه الحلو والحامض
والمرّ والمالح ؟ .

وإن قلت : يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال ، فأنّى يسأل عمّا لم يعاين
ولم يدركه بحواسّه ؟ أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة وهو يكلّمه بغير
لسانه وبغير لغته والأشياء كثيرة ؟ فهبه فعل كيف عرف منافعها ومضارّها ، وتسكينها و
تهييجها ، وباردها وحارّها ، وحلوها ومرارتها وحرافتها ، (3)ولينها وشديدها (4) ؟
فلئن قلت : بالظنّ إنَّ ذلك ممّا لا يدرك ولا يعرف بالطبائع والحواسّ ، ولئن قلت :
بالتجربة والشرب لقد كان ينبغي له أن يموت في أوَّل ما شرب وجرَّب تلك الأدوية
بجهالته بها وقلّة معرفته بمنافعها ومضارّها وأكثرها السمّ القاتل . ولئن قلت : بل طاف
في كلّ بلد ، وأقام في كلّ اُمّة يتعلّم لغاتهم ويجرّب بهم أدويتهم تقتل الأوَّل فالأوَّل
منهم ما كان لتبلغ معرفته الدواء الواحد إلّا بعد قتل قوم كثير ، فما كان أهل تلك البلدان

الّذين قتل منهم من قتل بتجربته بالّذين ينقادونه بالقتل ولا يدعونه أن يجاورهم ، و
هبه تركوه وسلّموا لأمره ولم ينهوه كيف قوي على خلطها ، وعرف قدرها ووزنها و
أخذ مثاقيلها وقرط قراريطها ؟ وهبه تتبّع هذا كلّه ، وأكثره سمّ قاتل ، إن زيد على
قدرها قتل ، وإن نقص عن قدرها بطل ، وهبه تتبّع هذا كلّه وجال مشارق الأرض و
مغاربها ، وطال عمره فيها تتبّعه شجرة شجرة وبقعة بقعة كيف كان له تتبّع ما لم يدخل
في ذلك من مرارة الطير والسباع ودوابّ البحر ؟ هل كان بدٌّ حيث زعمت أنّ ذلك الحكيم
تتبّع عقاقير الدنيا شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتّى جمعها كلّها فمنها ما لا يصلح ولا يكون
دواءاً إلّا بالمرار ؟ هل كان بدٌّ من أن يتبع جميع طير الدنيا وسباعها ودوابّها دابّة دابّة
وطائراً طائراً يقتلها ويجرّب مرارتها ، كما بحث عن تلك العقاقير على ما زعمت بالتجارب ؟
ولو كان ذلك فكيف بقيت الدوابّ وتناسلت وليست بمنزلة الشجرة إذا قطعت شجرة
نبتت اُخرى ؟ وهبه أتى على طير الدنيا كيف يصنع بما في البحر من الدوابّ الّتي كان
ينبغي أن يتّبعها بحراً بحراً ودابّة دابّة حتّى أحاط به كما أحاط بجميع عقاقير الدنيا
الّتي بحث عنها حتّى عرفها وطلب ذلك في غمرات الماء ؟ فإنّك مهما جهلت شيئاً من هذا
فإنّك لا تجهل أنَّ دوابَّ البحر كلّها تحت الماء فهل يدلّ العقل والحواسّ على أنَّ هذا
يدرك بالبحث والتجارب ؟ .

قال : لقد ضيّقت عليَّ المذاهب ، فما أدري ما اُجيبك به ! قلت : فإنّي آتيك
بغير ذلك ممّا هو أوضح وأبين ممّا اقتصصت عليك ، ألست تعلم أنَّ هذه العقاقير الّتي منها
الأدوية والمرار من الطير والسباع لا يكون دواءاً إلّا بعد الاجتماع ؟ قال . هو كذلك .

قلت : فأخبرني كيف حواسّ هذا الحكيم وضعت هذه الأدوية مثاقيلها وقراريطها ؟
فإنّك من أعلم الناس بذلك لأنَّ صناعتك الطبّ ، وأنت تدخل في الدواء الواحد من
اللّون الواحد زنة أربع مائة مثقال ، ومن الآخر مثاقيل وقراريط فما فوق ذلك ودونه
حتّى يجيىء بقدر واحد معلوم إذا سقيت منه صاحب البطنة بمقدار عقد بطنه ، وإن سقيت
صاحب القولنج أكثر من ذلك استطلق بطنه وألان (5) فكيف أدركت حواسّه على هذا ؟
________________________

(1) في نسخة : متقلبون بالمناصبة .

(2) في نسخة : قاصداً لا يجوز .

(3) الحرافة : طعم يلذع اللسان بحرارته .

(4) في نسخة : ولينها ويابسها .

(5) استطلق البطن : مشى . وألان أي جعله ليناً