بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 79

وتشرب حتّى وصلت لذَّة ذلك إلى قلبك ؟ قال : نعم . قلت : فهل رأيت أنّك تضحك
وتبكي وتجول في البلدان الّتي لم ترها والّتي قد رأيتها حتّى تعلم معالم ما رأيت منها ؟
قال : نعم ما لا اُحصي . قلت : هل رأيت أحداً من أقاربك من أخ أو أب أو ذي رحم قد مات
قبل ذلك حتّى تعلمه وتعرفه كمعرفتك إيّاه قبل أن يموت ؟ قال : أكثر من الكثير .
قلت : فأخبرني أيّ حواسّك أدرك هذه الأشياء في منامك حتّى دلّت قلبك على معاينة
الموتى وكلامهم ، وأكل طعامهم ، والجولان في البلدان ، والضحك والبكاء وغير ذلك ؟
قال : ما أقدر أن أقول لك أيّ حواسّي أدرك ذلك أو شيئاً منه ، وكيف تدرك وهي بمنزلة
الميّت لا تسمع ولا تبصر ؟ قلت : فأخبرني حيث استيقظت ألست قد ذكرت الّذي رأيت
في منامك تحفظه وتقصّه بعد يقظتك على إخوانك لا تنسى منه حرفاً ؟ قال : إنّه كما تقول
وربّما رأيت الشيء في منامي ثمَّ لا أمسي حتّى أراه في يقظتي كما رأيته في منامي . قلت :
فأخبرني أيّ حواسّك قرّرت علم ذلك في قلبك حتّى ذكّرته بعد ما استيقظت ؟ قال :
إنَّ هذا الأمر ما دخلت فيه الحواسّ . قلت : أفليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت
الحواسّ في هذا أنَّ الّذي عاين تلك الأشياء وحفظها في منامك قلبك الّذي جعل الله
فيه العقل الّذي احتجّ به على العباد ؟ قال : إنَّ الّذي رأيت في منامي ليس بشيء إنّما هو
بمنزلة السراب الّذي يعاينه صاحبه وينظر إليه لا يشكُّ فيه أنّه ماء فإذا انتهى إلى مكانه
لم يجده شيئاً فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة ! .

قلت : كيف شبّهت السراب بما رأيت في منامك من أكلك الطعام الحلو والحامض ،
وما رأيت من الفرح والحزن ؟ قال : لأنَّ السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شيء ،
وكذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت ! قلت : فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذَّته
في منامك وخفق لذلك قلبك ألست تعلم أنَّ الأمر على ما وصفت لك ؟ قال : بلى .

قلت : فأخبرني هل احتلمت قطّ حتّى قضيت في امرأة نهمتك (1) عرفتها أم
لم تعرفها ؟ قال : بلى ما لا اُحصيه . قلت : ألست وجدت لذلك لذَّةً على قدر
لذَّتك في يقظتك فتنتبه وقد أنزلت الشهوة حتّى تخرج منك بقدر ما تخرج منك في
اليقظة ، هذا كسر لحجّتك في السراب . قال : ما يرى المحتلم في منامه شيئاً إلّا ما كانت

حواسّه دلّت عليه في اليقظة . قلت : ما زدت على أن قوّيت مقالتي ، وزعمت أنَّ القلب
يعقل الأشياء ويعرفها بعد ذهاب الحواسّ وموتها فكيف أنكرت أنَّ القلب يعرف الأشياء
وهو يقظان مجتمعة له حواسّه ، وما الّذي عرّفه إيّاها بعد موت الحواسّ وهو لا يسمع
ولا يبصر ؟ ولكنت حقيقاً أن لا تنكر له المعرفة وحواسّه حيّة مجتمعة إذا أقررت أنَّه
ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسّه حتّى نكحها وأصاب لذَّته منها ؛ فينبغي لمن يعقل
حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالأشياء والحواسُّ ذاهبة أن يعرف أنَّ
القلب مدبّر الحواسّ ومالكها ورائسها (2) والقاضي عليها ، فإنّه ما جهل الإنسان من
شيء فما يجهل أنّ اليد لا تقدر على العين أن تقلعها ، ولا على اللّسان أن تقطعه ، وأنّه
ليس يقدر شيء من الحواسّ أن يفعل بشيء من الجسد شيئاً بغير إذن القلب ودلالته و
تدبيره لأنَّ الله تبارك وتعالى جعل القلب مدبّراً للجسد ، به يسمع وبه يبصر وهو القاضي
والأمير عليه ؛ لا يتقدّم الجسد إن هو تأخّر ، ولا يتأخّر إن هو تقدّم ، وبه سمعت الحواسّ
وأبصرت ، إن أمرها ائتمرت ، وإن نهاها انتهت ، وبه ينزل الفرح والحزن ، وبه ينزل
الألم ، إن فسد شيء من الحواسّ بقي على حاله ، وإن فسد القلب ذهب جميعاً حتّى لا يسمع
ولا يبصر .

قال : لقد كنت أظنّك لا تتخلّص من هذه المسألة وقد جئت بشيء لا أقدر على ردّه
قلت : وأنا اُعطيك تصاديق ما أنبأتك به وما رأيت في منامك في مجلسك الساعة . قال :
افعل فإنّي قد تحيّرت في هذه المسألة . قلت : أخبرني هل تحدّث نفسك من تجارة أو
صناعة أو بناء أو تقدير شيء وتأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنّك ؟ قال : نعم . قلت : فهل
أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئاً من حواسّك ؟ قال : لا . قلت : أفلا تعلم أنَّ الّذي أخبرك
به قلبك حقٌّ ؟ قال : اليقين هو ؛ فزدني ما يذهب الشكّ عنّي ويزيل الشبه من قلبي .

شرح : خفق القلب : اضطرابه . والنهمة : بلوغ الهمّة في الشيء ، والنهم بالتحريك
إفراط الشهوة في الطعام . أقول : قد عرفت أنَّ القلب يطلق في مصطلح الأخبار على النفس
الناطقةَ ، ولمّا كان السائل منكراً لإدراك ما سوى الحواسّ الظاهرة نبّهه عليه‌السلام على
خطائه بمدركات الحواسّ الباطنة الّتي هي آلات النفس .

________________________

(1) قضى منه نهمته أي شهوته .

(2) الرائس : الوالي ، في مقابلة المرؤوس للمستولي عليه .