بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 62

وترى الحبّ مقسوماً أقساماً ، وكلَّ قسم منها ملفوفاً بلفائف من حجب منسوجة أعجب
النسج وألطفه ، وقشره يضمّ ذلك كلّه ، فمن التدبير في هذه الصنعة أنّه لم يكن يجوز
أن يكون حشو الرمّانة من الحبّ وحده ، وذلك أنّ الحبّ لا يمدُّ بعضه بعضاً فجعل ذلك
الشحم خلال الحبّ ليمدّه بالغذاء ألا ترى أنّ اُصول الحبّ مركوزة في ذلك الشحم ؟
ثمّ لفّ بتلك اللّفائف لتضمّه وتمسكه فلا يضطرب ، وغشي فوق ذلك بالقشرة المستحصفة
ليصونه ويحصّنه من الآفات ، فهذا قليل من كثير وهي وصف الرمّانة وفيه أكثر
من هذا لمن أراد الإطناب والتذرُّع في الكلام ، ولكن فيما ذكرت لك كفاية في الدلالة
والاعتبار .

بيان : قوله عليه‌السلام : معجماً لعلّ المراد شدّة ارتباطها قال الفيروزآباديّ : باب
معجم كمكرم : مقفّل . انتهى . ويحتمل أن يكون كناية عن خفائها كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله :
صلاة النهار عجماء . وقوله عليه‌السلام : إن عاق دون الغرس أي غرس الأغصان عائق تغرس
النوى بدلها . والشدخ : الكسر والغمز ، والمشدخ هو بسر يغمز وييبس للشتاء . والدلب
بالضمّ : الصنار (1) قوله عليه‌السلام : فيحتبس الحرارة الغريزيّة يدلُّ على أنّ الحرارة
الغريزيّة لا يختصّ بالحيوان ، بل يوجد في النبات أيضاً كما صرّح به جماعة من المحقّقين .
ويقال : رصفت الحجارة في البناء رصفاً أي ضممت بعضها إلى بعض . واستحصف : استحكم .
والتذرّع : كثرة الكلام والإفراط فيه .

فكّر يا مفضّل في حمل اليقطين الضعيف مثل هذه الثمار الثقيلة من الدباء والقثّاء
والبطّيخ ، وما في ذلك من التدبير والحكمة فإنّه حين قدّر أن يحتمل مثل هذه الثمار
جعل نباته منبسطاً على الأرض ، ولو كان ينتصب قائماً كما ينتصب الزرع والشجر لما
استطاع أن يحمل مثل هذه الثمار الثقيلة ، ولينقصف قبل إدراكها وانتهائها إلى غايتها .
فانظر كيف صار يمتدّ على وجه الأرض ليلقى عليها ثمارها فتحملها عنه فترى الأصل
من القرع والبطّيخ مفترشاً للأرض ، ثماره مبثوثة عليها وحواليه كأنّه هرّة ممتدَّة
وقد اكتنفتها أجراؤها لترضع منها .

وانظر كيف صارت الأصناف توافي في الوقت المشاكل لها من حمارّة الصيف ،
ووقدة الحرّ فتلقاها النفوس بانشراح وتشوّق إليها ، ولو كانت توافي في الشتاء
لوافقت من الناس كراهة لها واقشعراراً منها مع ما يكون فيها من المضرّة للأبدان . ألا ترى
أنّه ربّما أدرك شيء من الخيار في الشتاء فيمتنع الناس من أكله إلّا الشرِه الّذي لا يمتنع
من أكل ما يضرّه وليستوخم مغبّته .

توضيح : قال الفيروزآباديُّ : اليقطين : ما لا ساق له من النبات ونحوه . والقصف :
الكسر . وقال الجوهريّ : الجِرو والجُرو والجَرو : ولد الكلب والسباع ، والجمع
أجرٍ ، وأصله أجروٌ على أفعل ، وجراءٌ ، وجمع الجراء أجريةٌ ، والجِرو والجِروة الصغير
من القثّاء . انتهى . والحمارّة بتخفيف الميم وتشديد الراء وقد يخفّف في الشعر : شدّة
الحرّ . وفي الأساس : ما لي أراك تشرح إلى كلّ رتبة ؛ وهو إظهار الرغبة إليها ، وفيه :
هو شرِه العين يطمع في كلّ ما يراه يرمي نفسه عليه ويتمنّاه . انتهى . واستوخمه : لم يجده
مريئاً موافقاً . والمغبّة : العاقبة .

فكّر يا مفضّل في النخل فإنّه لمّا صار فيه اُناث يحتاج إلى التلقيح (2) جعلت
فيه ذكورة للّقاح من غير غراس فصار الذكر من النخل بمنزلة الذكر من الحيوان الّذي يلقح
الاُناث لتحمل وهو لا يحمل .

تأمّل خلقة الجذع (3) كيف هو فإنّك تراه كالمنسوج نسجاً من غير خيوط ممدودة
كالسدى واُخرى معه معترضة كاللّحمة (4) كنحو ما ينسج بالأيدي ، وذلك ليشتدّ و
يصلب ولا ينقصف من حمل القنوان (5) الثقلية ، وهزّ الرياح العواصب إذا صار نخلة ، و
ليتهيّأ للسقوف والجسور وغير ذلك ممّا يتّخذ منه إذا صار جذعاً ؛ وكذلك ترى الخشب
مثل النسج فإنّك ترى بعضه مداخلاً بعضاً طولاً وعرضاً كتداخل أجزاء اللّحم ، وفيه

________________________

(1) الصنار معرّب چنار .

(2) التلقيح في النخل : وضع طلع الذكور في الاناث .

(3) الجذع : ساق النخلة .

(4) السدى من الثوب : ما مد من خيوطه وهو خلاف اللحمة . واللحمة ما نسج عرضاً وهو خلاف سداه .

(5) القنوان جمع القنا والقنى والقنو ـ بكسر القاف وضمها ـ : العذق وهو من النخل
كالعنقود من العنب .