بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 41

لا تتحامل ولا تستقلّ بأنفسها ، فجعلت من لحم رخو تنثني ، تتداخله عظام صلاب ، يمسكه
عصب وعروق تشدُّه ويضمُّ ببعضه إلى بعض ، وغلفت (1) فوق ذلك بجلد يشتمل على
البدن كلّه ، ومن أشباه ذلك هذه التماثيل الّتي تعمل من العيدان (2) وتلفّ بالخرق
وتشدّ بالخيوط ويطلى فوق ذلك بالصمغ (3) فيكون العيدان بمنزلة العظام ، والخرق
بمنزلة اللّحم ، والخيوط بمنزلة العصب والعروق ، والطلا بمنزلة الجلد ، فإن جاز أن
يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل
الميتة ، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحريّ أن لا يجوز في الحيوان .

وفكّر بعد هذا في أجساد الأنعام فإنّها حين خلقت على أبدان الإنس من اللّحم
والعظم والعصب اُعطيت أيضاً السمع والبصر ليبلغ الإنسان حاجته ، فإنّها لو كانت
عمياً صمّاً لما انتفع بها الإنسان ، ولا تصرّفت في شيء من مآربه ، ثمَّ منعت الذهن و
العقل لتذلَّ للإنسان فلا تمتنع عليه إذا كدَّها الكدُّ الشديد وحملها الحمل الثقيل .

فإن قال قائل : إنّه قد يكون للإنسان عبيد من الإنس يذلّون ويذعنون بالكدّ
الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن ، فيقال في جواب ذلك : إنَّ هذا الصنف
من الناس قليل ، فأمّا أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدوابُّ من الحمل والطحن
وما أشبه ذلك ، ولا يغرون بما يحتاج إليه منه ، (5) ثمَّ لو كان الناس يزاولون مثل هذه
الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الأعمال ، لأنّه كان يحتاج مكان الجمل الواحد
والبغل الواحد إلى عدّة أناسيّ فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتّى لا يكون فيهم عنه
فضل لشيء من الصناعات ، مع ما يلحقهم من التعب بالفادح في أبدانهم ، والضيق والكدّ
في معاشهم .

ايضاح : مدير الأدوار لعلّ فيه مضافاً محذوفاً أي ذوي الأدوار ، أو الإسناد مجازيٌّ

وفي بعض النسخ بالباء الموحّدة وهو أظهر . والأكوار بالفتح ، وهو الجماعة
الكثيرة من الإبل والقطيع من الغنم ، ويقال : كلّ دور كور . والمراد إمّا استيناف قرن
بعد قرن وزمان بعد زمان ، أو إعادة أهل الأكوار والأدوار جميعاً في القيامة ، والأوَّل
أظهر . وقال الجزريّ : قيل للقرن طبق لأنّهم طبق للأرض ثمَّ ينقرضون فيأتي طبق
آخر . قوله عليه‌السلام : في نظائر أي قالها في ضمن نظائر لها أو مع نظائرها . قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله :
إنّما هي أي المثوبات والعقوبات أعمالكم أي جزاؤها والعمه التحيّر والتردّد . والحيد :
الميل . والمدرجة : المذهب والمسلك . وزحزحه : أبعده . والانثناء : الانعطاف والميل .
قوله عليه‌السلام : ولا يغرون في بعض النسخ بالغين المعجمة والراء المهملة على بناء المفعول
من قولهم : أغريت الكلب بالصيد ؛ أي لا يؤثر فيهم الإغراء ، والتحريص على جميع الأعمال
الّتي يحتاج إليها الخلق من ذلك العمل الّذي تأتي به الدوابّ ، وفي بعضها بالعين المهملة
والزاي المعجمة من عزى من باب تعب أي صبر على ما نابه ، والأوّل أظهر . والفادح من
قولهم : فدحه الدَين أثقله . ثمَّ اعلم أنّه ينبغي حمل السؤال على أنّه كان يمكن أن يكتفي
بخلق الحيوانات لأنّ بعضهم ينقادون ويطيعون بعضاً فالجواب منطبق من غير تكلّف .

فكّر يا مفضّل في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه
بما فيه صلاح كلّ واحد منها ، فالإنس لمّا قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج
لمثل هذه الصناعات من البناء والتجارة والصياغه (6) وغير ذلك خلقت لهم أكفّ كبار
ذوات أصابع غلاظ ، ليتمكّنوا من القبض على الأشياء وأوكدها هذه الصناعات ،
وآكلات اللّحم لمّا قدِّر أن يكون معايشها من الصيد خلقت لهم أكفّ لطاف مدمّجة (7)
ذوات براثن ومخاليب تصلح لأخذ الصيد ، ولا تصلح للصناعات ، وآكلات النبات لمّا
قدِّر أن يكونوا لا ذات صنعة ولا ذات صيد خلقت لبعضها أظلاف (8) تقيها خشونة الأرض
________________________

(1) وفي نسخة : وعليت فوق ذلك .

(2) جمع العود وهي الخشب .

(3) أي يلطخ فوق ذلك بالصمغ .

(4) وفي نسخة : فانها لو كانت عماً صماً .

(5) وفي نسخة : ولا يعزون بما يحتاج اليه منه .

(6) وفي نسخة : والخياطة .

(7) وفي نسخة : اكف لطاف مذبحة .

(8) جمع الظلف ـ بكسر الظاء وسكون اللام ـ وهو لما اجترّ من الحيوانات كالبقرة والظبى
بمنزلة الحافر للفرس .