المنافع إليها ، ودفع المضارِّ عنها ، واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلّف له ، وثبات
صورة لا مصوِّر لها ، فعلمت أنّ لها خالقاً خلقها ، ومصوِّراً صوَّرها ، مخالفاً لها في جميع
جهاتها ، (1) قال الله جلّ جلاله : وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ .
23 ـ يد : الدقّاق ، عن الأسديّ ، عن الحسين بن المأمون القرشيّ ، (2) عن عمر بن
عبد العزيز ، (3) عن هشام بن الحكم قال : قال لي أبو شاكر الديصانيّ : إنَّ لي مسألة تستأذن
لي على صاحبك فإنّي قد سألت عنها جماعةً من العلماء فما أجابوني بجواب مشبع ،
فقلت : هل لك أن تخبرني بها فلعلَّ عندي جواباً ترتضيه ؟ فقال : إنّي اُحبُّ أن ألقي
بها أبا عبد الله عليهالسلام ، فاستأذنت له فدخل فقال له : أتأذن لي في السؤال ؟ فقال له : سل
عمّا بدا لك ، فقال له : ما الدليل على أنَّ لك صانعاً ؟ فقال : وجدت نفسي لا تخلو من
إحدى جهتين : إمّا أن أكون صنعتها أنا ، فلا أخلو من أحد معنيين ، إمّا أن أكون صنعتها
وكانت موجودةً أو صنعتها وكانت معدومةً ، فإن كنت صنعتها وكانت موجودةً فقد
استغنيت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومةً فإنّك تعلم أنَّ المعدوم لا يُحدِث
شيئاً ، فقد ثبت المعنى الثالث أنَّ لي صانعاً وهو الله ربُّ العالمين ، فقام وما أجاب جواباً .
بيان : هذا برهان متين مبنيٌّ على توقّف التأثير والإيجاد على وجود الموجد
والمؤثِّر ، والضرورة الوجدانيَّة حاكمة بحقّيّتها ، ولا مجال للعقل في إنكارها .
24 ـ يد : أبي وابن الوليد معاً ، عن أحمد بن إدريس ، ومحمّد العطّار ، عن
الأشعريّ ، عن سهل ، عن محمّد بن الحسين ، عن عليّ بن يعقوب الهاشميّ ، عن مروان بن
مسلم قال : دخل ابن أبي العوجاء على أبي عبد الله عليهالسلام : فقال : أليس تزعم أنَّ الله خالق
كلِّ شيء ؟ فقال أبو عبد الله عليهالسلام : بلى ، فقال له : أنا أخلق ، فقال له : كيف تخلق ؟ قال :
اُحدث في الموضع ثمَّ ألبث عنه فيصير دوابّاً ، فأكون أنا الّذي خلقتها ، فقال أبو عبد الله
عليه السلام : أليس خالق الشيء يعرف كم خلقه ؟ قال له : بلى ، قال : فتعرف الذكر منها من
الاُنثى وتعرف كم عمرها ؟ فسكت .
25 ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن ابن هاشم ، عن محمّد بن حمّاد ، عن الحسن بن
إبراهيم ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن يونس بن يعقوب قال : قال لي عليُّ بن منصور : (4)
قال لي هشام بن الحكم : كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليهالسلام فخرج إلى المدينة
ليناظره فلم يصادفه بها ، فقيل له : هو بمكّة فخرج الزنديق إلى مكّة ونحن مع أبي
عبد الله عليهالسلام فقاربنا الزنديق ـ ونحن مع أبي عبد الله عليهالسلام ـ في الطواف فضرب كتفه كتف
أبي عبد الله عليهالسلام ، فقال له جعفر عليهالسلام : ما اسمك ؟ قال : اسمي عبد الملك ، قال : فما
كنيتك ؟ قال : أبو عبد الله ، قال : فمن الملك الّذي أنت له عبد ، أمن ملوك السماء أم من
ملوك الأرض ؟ وأخبرني عن ابنك ، أعبد إله السماء أم عبد إله الأرض ؟ فسكت ، فقال
له أبو عبد الله عليهالسلام : قل ما شئت تخصم . قال هشام بن الحكم : قلت للزنديق : أما تردُّ
عليه ؟ فقبَّح قولي ، فقال له أبو عبد الله عليهالسلام : إذا فرغت من الطواف فأتنا ، فلمّا فرغ
أبو عبد الله عليهالسلام أتاه الزنديق فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده ، فقال للزنديق : أتعلم
أنَّ للأرض تحت وفوق ؟ قال : نعم ، قال : فدخلت تحتها ؟ قال : لا ، قال : فما يدريك
بما تحتها ؟ قال : لا أدري إلّا أنّي أظنُّ أن ليس تحتها شيءٌ ، قال أبو عبد الله عليهالسلام :
فالظنُّ عجز ما لم تستيقن ، قال أبو عبد الله عليهالسلام : فصعدت إلى السماء ؟ قال : لا ، قال :
فتدري ما فيها ؟ قال : لا ، قال : فعجباً لك لم تبلغ المشرق ، ولم تبلغ المغرب ، ولم تنزل
تحت الأرض ، ولم تصعد إلى السماء ، ولم تجز هنالك فتعرف ما خلقهنَّ وأنت جاحد ما فيهنَّ
وهل يجحد العاقل ما لا يعرف ؟ فقال الزنديق : ما كلّمني بهذا أحد غيرك ، قال أبو عبد الله
عليهالسلام : فأنت في شكّ من ذلك فلعلَّ هو ، أو لعلَّ ليس هو ، قال الزنديق : ولعلّ ذاك : فقال
أبو عبد الله عليهالسلام : أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ، فلا حجّة للجاهل ، يا أخا
أهل مصر تفهَّم عنّي فإنّا لا نشكُّ في الله أبداً ، أما ترى الشمس والقمر واللّيل والنهار يلجان
________________________
(1) وفي نسخة : مخالفاً لها في جميع صفاتها .
(2) لم نقف على ترجمته .
(3) لعله هو أبو حفص الملقب بزحل الذي ترجمه النجاشي في رجاله ص 202 قال : عربي بصري
مخلط ، له كتاب .
(4) أورده النجاشي في ص 176 من رجاله ، قال علي بن منصور أبو الحسن كوفي ، سكن
بغداد ، متكلم ، من أصحاب هشام ، له كتب : منها كتاب التدبير في التوحيد والامامة .