بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 20

في ذلك ، فتنبّه أنّ صفاته كلّها صفات المخلوقين ، وكانت معاندته مانعةً عن الإذعان بالصانع تعالى فبقي متحيّراً ، فقال عليه‌السلام : إذا رجعت إلى نفسك ووجدت في نفسك صفة المخلوقين فلمَ لا تذعن بالصانع ؟ فاعترف بالعجز عن الجواب ، وقال : سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك . قوله عليه‌السلام : هبك أي افرض نفسك أنّك علمت ما مضى وسلّمنا ذلك لك ، قال الفيروزآباديُّ : هبني فعلت أي احسبني فعلت وأعددني ، كلمة للأمر فقط . وحاصل جوابه عليه‌السلام : أوّلاً أنّك بنيت اُمورك كلّها على الظنّ والوهم لأنّك تقطع بأنَّك لا تُسأل بعد ذلك عن مثلها مع أنّه لا سبيل لك إلى القطع به . وأمّا قوله عليه‌السلام : على أنّك يا عبد الكريم نقضت قولك يحتمل وجوهاً :

الاول : أن يكون المراد أنّ نفيك للصانع مبنيٌّ على أنّك تزعم أن لا علّيّة بين الأشياء ونسبة الوجود والعدم إليها على السواء ، والاستدلال على الأشياء الغير المحسوسة إنّما يكون بالعلّيّة والمعلوليّة ، فكيف حكمت بعدم حصول الشيء في المستقبل ؟ فيكون المراد بالتقدُّم والتأخُّر العلّيّة والمعلوليّة أو ما يساوقهما .

الثاني : أن يكون مبنيّاً على ما لعلّهم كانوا قائلين به ، وربّما أمكن إلزامهم بذلك ، بناءاً على نفي الصانع من أنّ الأشياء متساويةٌ غير متفاوته في الكمال والنقص ، فالمراد : أنّك كيف حكمت بتفضيلي على غيري ؟ وهو مناف للمقدّمة المذكورة ، فالمراد بالتقدُّم والتأخُّر ما هو بحسب الشرف .

الثالث : أن يكون مبنيّاً على ما ينسب إلى أكثر الملاحدة من القول بالكمون والبروز أي مع قولك بكون كلّ حقيقة حاصلةً في كلِّ شيء كيف يمكنك الحكم بتقدُّم بعض الأشياء على بعض في الفضل والشرف .

قوله عليه‌السلام وفي ذلك زوال وانتقال ، حاصل استدلاله عليه‌السلام إمّا رجع إلى دليل المتكلّمين من أنَّ عدم الانفكاك عن الحوادث يستلزم الحدوث ، أو إلى إنّه لا يخلو إمّا أن يكون يعض تلك الأحوال الزائلة المتغيّرة قديماً أم لا بل يكون كلّها حوادث وكلٌّ منهما محال : أمّا الأوَّل فلمّا تقرّر عند الحكماء من أنَّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، و أمّا الثاني فللزوم التسلسل بناءاً على جريان دلائل إبطاله في الاُمور المتعاقبة ، ويمكن أن يكون مبنيّاً على ما يظهر من الأخبار الكثيرة من أنَّ كلَّ قديم يكون واجباً بالذات ولا يكون المعلول إلّا حادثاً ، ووجوب الوجود ينافي التغيُّر ، ولا يكون الواجب محلّاً للحوادث كما برهن عليه ، ثمَّ قال ابن أبي العوجاء : لو فرضنا بقاء الأشياء على صغرها لم يمكنك الاستدلال على حدوثها بالتغيُّر ، فأجاب عليه‌السلام أوّلاً على سبيل الجدل بأنّ كلامنا كان في هذا العالم الّذي نشاهد فيه التغيّرات ، فلو فرضت رفع هذا العالم ووضع عالم آخر مكانه لا يعتريه التغيُّر فزوال هذا العالم دلّ على كونه حادثاً ، وإلّا لما زال ، وحدوث العالم الثاني أظهر . ثمّ قال : ولكن اُجيبك من حيث قدّرت ـ بتشديد الدال ـ أي فرضت لأن تلزمنا أو بالتخفيف أي زعمت أنّك تقدر أن تلزمنا وهو بأن تفرض في الأوّل مكان هذا العالم عالماً لا يكون فيه التغيّر ، فنقول : يحكم العقل بأنّ الأجسام يجوز عليها ضمُّ شيء إليها وقطع شيء منها . وجواز التغيُّر عليه يكفي لحدوثها بنحو ما مرَّ من التقرير .

21 ـ يد : ابن إدريس ، عن أبيه ، عن ابن هاشم ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم قال : سئل أبو عبد الله عليه‌السلام فقيل له : بمَ عرفت ربّك ؟ قال : بفسخ العزم ونقض الهمّ ، عزمت ففسخ عزمي ، وهممت فنقض همّي.

22 ـ يد : المكتّب ، عن الأسديّ ، عن البرمكيّ ، عن محمّد بن عبد الرحمن الخزّاز ، عن سليمان بن جعفر ، عن عليّ بن الحكم ، عن هشام بن سالم قال : حضرت محمّد بن النعمان الأحول فقام إليه رجل فقال له : بمَ عرفت ربّك ؟ قال : بتوفيقه وإرشاده وتعريفه وهدايته ، قال : فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له : ما أقول لمن يسألني فيقول لي : بمَ عرفت ربّك ؟ فقال : إن سأل سائل فقال : بمَ عرفت ربّك ؟ قلت : عرفت الله جلَّ جلاله بنفسي ، لأنّها أقرب الأشياء إليَّ ، وذلك أنّي أجدها أبعاضاً مجتمعةً ، وأجزاءاً مؤتلفة ، ظاهرة التركيب ، متينة الصنعة ، مبنيّةً على ضروب من التخطيط والتصوير ، زائدةً من بعد نقصان ، وناقصةً من بعد زيادة ، قد اُنشىء لها حواسٌّ مختلفةٌ ، وجوارح متبائنةٌ ، من بصر وسمع وشامّ وذائق ولامس ، مجبولةً على الضعف والنقص والمهانة ، لا تدرك واحدةً منها مدرك صاحبتها ، ولا تقوى على ذلك عاجزةٌ عن اجتلاب