بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 19

 

فقال له العالم عليه‌السلام : فما يمنعك من الكلام ؟ قال : إجلالاً لك (1) ومهابةً ما ينطق لساني بين يديك فإنّي شاهدت العلماء وناظرت المتكلّمين فما تداخلني هيبةٌ قطّ مثل ما تداخلني من هيبتك . قال : يكون ذلك ولكن أفتح عليكم بسؤال وأقبل عليه ، فقال له : أمصنوع أنت أو غير مصنوع ؟ فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء : بل أنا غير مصنوع ، فقال له العالم عليه‌السلام : فصف لي لو كنت مصنوعاً كيف كنت تكون ؟ فبقي عبد الكريم مليّاً لا يحير جواباً ، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول : طويل عريض عميق قصير متحرّك ساكن ، كلّ ذلك صفة خلقه ، (2) فقال له العالم عليه‌السلام : فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعاً لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الاُمور .

فقال له عبد الكريم : سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : هبك علمت أنّك لم تُسأل فيما مضى فما علمك أنّك لا تُسأل فيما بعد ؟ على أنّك يا عبد الكريم نقضت قولك لأنّك تزعم أنّ الأشياء من الأوّل سواء ، فكيف قدّمت وأخّرت ؟ ثمَّ قال : يا عبد الكريم أزيدك وضوحاً ، أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل : هل في الكيس دينار ؟ فنفيت كون الدينار في الكيس ، فقال لك قائل : صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم ؟ قال : لا ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس فلعلَّ في العالم صنعةٌ من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة.

فانقطع عبد الكريم وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض ، فعاد في اليوم الثالث فقال : اُقلّب السؤال ؟ فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : اسأل عمّا شئت ، فقال : ما الدليل على حدث الأجسام ؟ فقال : إنّي ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلّا وإذا ضمَّ إليه مثله صار أكبر ، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاُولى ، ولو كان قديماً ما زال ولا حال ، لأنَّ الّذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث ، وفي كونه في الأزل دخوله في القدم ، ولن تجتمع صفة الأزل والحدوث ، والقدم والعدم في شيء واحد ، (3) فقال عبد الكريم : هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت على حدوثها فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدلّ على حدثها ؟

فقال العالِم عليه‌السلام : إنّما نتكلّم على هذا العالَم الموضوع ، فلو رفعناه ووضعنا عالماً آخر كان لا شيء أدلُّ على الحدث من رفعنا إيّاه ووضعنا غيره ، ولكن أجبتك (4) من حيث قدّرت أن تلزمنا ونقول (5) : إنّ الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنّه متى ما ضمّ شيء (6) إلى مثله كان أكبر ، وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما بان في تغييره دخوله في الحدث (7) ليس لك وراءه شيءٌ يا عبد الكريم ، فانقطع وخزى .

فلمّا أن كان من العام القابل التقى معه في الحرم فقال له بعض شيعته : إنّ ابن أبي العوجاء قد أسلم ، فقال العالم عليه‌السلام : هو أعمى من ذلك لا يسلم ، فلمّا بصر بالعالِم قال : سيّدي ومولاي ، فقال له العالم : ما جاء بك الى هذا الموضع ؟ فقال : عادة الجسد ، وسنّة البلد . ولنبصر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة ، فقال له العالِم : أنت بعدُ على عتوّك وضلالك يا عبد الكريم ، فذهب يتكلّم فقال له : لا جدال في الحجّ ، ونفض رداءه من يده وقال : إن يكن الأمر كما تقول ـ وليس كما تقول ـ نجونا ونجوت ، وإن يكن الأمر كما نقول ـ وهو كما نقول ـ نجونا هلكت ، فأقبل عبد الكريم على من معه فقال : وجدت في قلبي حرارةً فردّوني ، فردّوه ومات ، لا رحمه الله .

ج : روى مرسلاً بعض الخبر .

تنوير : لا يحير جواباً بالمهملة أي لا يقدر عليه . والولوع بالشيء : الحرص عليه والمبالغة في تناوله . قوله : كلُّ ذلك صفة خلقه أي خلق الخالق والصانع ، ويمكن أن يقرأ بالتاء أي صفة المخلوقيّة .، والحاصل أنّه لمّا سأل الإمام عليه‌السلام عنه أنّك لو كنت  مصنوعاً هل كنت على غير تلك الأحوال والصفات الّتي أنت عليها الآن أم لا أقبل يتفكّر 


(1) في نسخة : إجلال لك

. (2) وفي نسخة : كل ذلك صنعة خلقه .

(3) في التوحيد المطبوع : ولن يجتمع صفة الازل والعدم في شيء واحد .

(4) وفي نسخة : اجيبك .

(5) وفي نسخة : فنقول .

(6) وفي نسخة : ما ضم شيء منه إلى شيء منه .

(7) وفي نسخة : كما أن في تغييره دخوله في الحدث .