حاوياً له وأن يكون عزَّ وجلَّ محتاجاً إلى مكان أو إلى شيء ممّا خلق ، بل خلقه محتاجون إليه .
قال السائل : فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الأرض ؟ قال أبو عبد الله عليهالسلام : ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواءٌ ولكنَّه عزَّ وجلَّ أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش لأنّه جعله معدن الرزق فثبّتنا ما ثبّته القرآن والأخبار عن الرسول صلى الله عليه وآله حين قال : ارفعوا أيديكم إلى الله عزَّ وجلَّ ، وهذا تجمع عليه فرق الاُمّة كلّها .
يد : الدقّاق ، عن أبي القاسم العلويّ ، عن البرمكيّ ، عن الحسين بن الحسن ، عن إبراهيم بن هاشم القميّ ، عن العبّاس بن عمرو الفقيميّ ، عن هشام بن الحكم مثله مع زيادة اثبتناها في باب احتجاج الصادق عليهالسلام على الزنادقة .
بيان : قوله عليهالسلام : وأنّه شيءٌ بحقيقة الشيئيّة المراد بالشيئيّة إمّا الوجود ، أو معنىً مساوق له ، وعلى التقديرين فالمراد إمّا بيان عينيّة الوجود ، أو قطع طمع السائل عن تعقُّل كنهه تعالى بل بأنّه شيءٌ وأنّه بخلاف الأشياء . والجسُّ ـ بالجيم ـ : المسُّ . قوله : فإنّا لم نجد موهوماً إلّا مخلوقاً أي يلزم ممّا ذكرت أنّه لا تدركه الأوهام أنَّ كلَّ ما يحصل في الوهم يكون مخلوقاً ، فأجاب عليهالسلام بما حاصله أنَّ مرادنا أنّه تعالى لا يدرك كنه حقيقته العقول والأوهام ، ولا يتمثّل أيضا في الحواسِّ ، إذ هو مستلزم للتشبيه بالمخلوقين ، ولو كان كما توهّمت من أنّه لا يمكن تصوُّره تعالى بوجه من الوجوه لكان تكليفنا بالتصديق بوجوده وتوحيده وسائر صفاته تكليفاً بالمحال ، إذ لا يمكن التصديق بثبوت شيء لشيء بدون تصوُّر ذلك الشيء ، فهذا القول مستلزم لنفي وجوده وسائر صفاته عنه تعالى ، بل لا بدَّ في التوحيد من إخراجه عن حدِّ النفي والتعطيل وعن حدِّ التشبيه بالمخلوقين ، ثمَّ استدلَّ عليهالسلام بتركيبهم وحدوثهم وتغيُّر أحوالهم وتبدُّل أوضاعهم على احتياجهم إلى صانع منزَّه عن جميع ذلك ، غير مشابه لهم في الصفات الإمكانيّة ، وإلّا لكان هو أيضاً مفتقراً إلى صانع لاشتراك علّة الافتقار .
قوله : فقد حدَّدته إذا ثبّتت وجوده أي إثبات الوجود له يوجب التحديد ، إمّا بناءً على توهّم أنَّ كلَّ موجود لا بدَّ أن يكون محدوداً بحدود جسمانيّة أو بحدود عقلانيّة ، أو باعتبار التحدُّد بصفة هو الوجود ، أو باعتبار كونه محكوماً عليه فيكون موجوداً في الذهن محاطاً به . فأجاب عليهالسلام بأنّه لا يلزم أن يكون كلُّ موجود جسماً أو جسمانيّاً حتّى يكون محدوداً بحدود جسمانيّة ، ولا أن يكون مركّباً حتّى يكون محدوداً بحدود عقلانيّة أو لا يلزم كون حقيقته حاصلةً في الذهن أو محدودةً بصفة فإنَّ الحكم لا يستدعي حصول الحقيقة في الذهن ، والوجود ليس من الصفات الموجودة المغايرة الّتي تحدُّ بها الأشياء .
4 ـ ج : عن هشام بن الحكم قال : دخل ابن أبي العوجاء على الصادق عليهالسلام فقال له الصادق : يا ابن أبي العوجاء أمصنوع أنت أم غير مصنوع ؟ قال : لست بمصنوع ، فقال له الصادق عليهالسلام : فلو كنت مصنوعاً كيف كنت تكون ؟ فلو يحر ابن أبي العوجاء جواباً وقام وخرج.
يد : الهمدانيُّ ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن العبّاس بن عمرو الفقيميّ ، عن هشام مثله .
بيان : لمّا كان التصديق بوجود الصانع تعالى ضروريّاً نبّهه عليهالسلام بأنَّ العقل يحكم بديهةً بالفرق بين المصنوع وغيره ، وفيك جميع صفات المصنوعين فكيف لم تكن مصنوعاً ؟ . (1)
5 ـ ج : دخل أبو شاكر الديصانيّ وهو زنديق (2) على أبي عبد الله عليهالسلام فقال له : يا جعفر بن محمّد دلّني على معبودي ، فقال أبو عبد الله عليهالسلام : اجلس ـ فإذا غلام صغير في كفّه بيضة يلعب بها ـ فقال أبو عبد الله عليهالسلام : ناولني يا غلام البيضة ، فناوله إيّاها ، فقال
(1) لا يخفى أن الرواية غير مسوقة للتنبيه على ما ذكره ، بل إلزام له بالترجيح بلا مرجّح فان اختياره عدم المصنوعيّة مع جواز مصنوعيّته قول بلا دليل . ط
(2) الزنديق بالكسر من الثنويّة أو القائل بالنور والظلمة ، أو من لا يؤمن بالاخرة والربوبيّة أو من يبطن الكفر ويظهر الايمان ، أو هو معرّب زن دين أي دين المرأة . قاله في القاموس . وفي المصباح : المشهور على ألسنة الناس أن الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة ويقول بدوام الدهر والعرب تعبر عن هذا بقولهم : ملحد ، أي طاعن في الاديان . انتهى . ونقل عن مفاتيح العلوم : أن الزنادقة هم المانويّة وكانت المزدكيّة يسمّون بذلك . أقول : والظاهر أن الزنديق معرب لزند دين ، والزند اسم لكتاب المجوس جاء زردشت الذي يزعم المجوس أنه نبي ، أو معرّب زنديّ أي المنسوب إلى زند فاخذ كلمة واحدة وزيد عليه القاف وله نظائر .