بحار الانوار – الجزء الثاني – صفحة 227

والمقداد أشياء من تفسير القرآن والأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله ـ ثمّ ذكر نحواً ممّا مرّ إلى
قوله ـ : حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيىء الأعرابيّ أو الطاريّ فيسأله صلى الله عليه وآله حتّى يسمعوا
وكان لا يمرُّ بي من ذلك شيءٌ إلّا سألت عنه وحفظته . فهذه وجوه ما عليه الناس في
اختلافهم وعللهم في رواياتهم .

ايضاح : سيأتي الخبر بتمامه في باب العلّة الّتي من أجلها لم يغيّر أمير المؤمنين
عليه‌السلام بعض البدع . قوله عليه‌السلام : حقّاً وباطلاً وصدقاً وكذباً ذكر الصدق والكذب
بعد الحقّ والباطل من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ ، لأنّ الصدق والكذب من خواصّ
الخبر ، والحقُّ والباطل يصدقان على الأفعال أيضاً ، وقيل : الحقُّ والباطل هنا من
خواصّ الرأي والاعتقاد ، والصدق والكذب من خواصّ النقل والرواية قوله عليه‌السلام :
محكماً ومتشابهاً المحكم في اللّغة هو المضبوط المتقن ويطلق في الاصطلاح على ما اتّضح
معناه وعلى ما كان محفوظاً من النسخ أو التخصيص أو منهما معاً ، وعلى ما كان نظمه
مستقيماً خالياً عن الخلل ، وما لا يحتمل من التأويل إلّا وجهاً واحداً ، ويقابله بكلّ من
هذه المعاني المتشابه . قوله عليه‌السلام : ووهماً ـ بفتح الهاء ـ مصدر قولك : وهمت ـ بالكسر ـ
أي غلطت وسهوت ، وقد روي وهماً ـ بالتسكين ـ مصدر وهمت ـ بالفتح ـ إذا ذهب وهمك
إلى شيء وأنت تريد غيره ، والمعنى متقارب . قوله عليه‌السلام : فليتبوَّأ صيغة الأمر ومعناه
الخبر كقوله تعالى : قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ مَدًّا . قوله عليه‌السلام : متصنّع
بالإسلام أي متكلّف له ومتدلّسٌ به غير متَّصف به في نفس الأمر . قوله عليه‌السلام : لا
يتأثَّم أي لا يكفُّ نفسه عن موجب الإثم ، أو لا يعدُّ نفسه آثماً بالكذب على رسول الله
صلى الله عليه وآله ، وكذا قوله : لا يتحرَّج من الحرج بمعنى الضيق . قوله عليه‌السلام : وقد أخبر الله
عزَّ وجلَّ عن المنافقين أي كان ظاهرهم ظاهراً حسناً ، وكلامهم كلاماً مزيَّفاً مدلَّساً
يوجب اغترار الناس بهم وتصديقهم فيما ينقلونه عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، ويرشد إلى ذلك أنّه
سبحانه خاطب نبيَّه صلى الله عليه وآله بقوله : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم . أي لصباحتهم وحسن
منظرهم ، وإن يقولوا تسمع لقولهم أي تصغي إليه لذلاقة ألسنتهم . قوله عليه‌السلام : فولّوهم
الأعمال أي أئمّة الضلال بسبب وضع الأخبار أعطوا هؤلاء المنافقين الولايات وسلّطوهم على

الناس ، ويحتمل العكس أيضاً ، أي بسبب مفتريات هؤلاء المنافقين صاروا والين على
الناس وصنعوا ما شاؤوا وابتدعوا ما أرادوا ولكنّه بعيد . قوله عليه‌السلام : ناسخ ومنسوخ
قال الشيخ البهائيّ رحمه الله : خبر ثان لإنّ ، أو خبر مبتدء محذوف أي بعضه ناسخ وبعضه
منسوخ ، أو بدل من « مثل » وجرُّه على البدليّة من القرآن ممكن ، فإنّ قيام البدل مقام المبدل
منه غير لازم عند كثير من المحقّقين . قوله عليه‌السلام : وقد كان يكون إسم كان ضمير الشأن و
يكون تامّة وهي مع اسمها الخبر ، وله وجهان : نعتٌ للكلام لأنّه في حكم النكرة ،
أو حالٌ منه ، وإن جعلت « يكون » ناقصةً فهو خبرها . قوله عليه‌السلام : وقال الله لعلّ المراد
أنّهم لمّا سمعوا هذه الآية علموا وجوب اتّباعه صلى الله عليه وآله ، ولمّا اشتبه عليهم مراده عملوا
بما فهموا منه وأخطأوا فيه ، فهذا بيان لسبب خطاء الطائفة الثانية والثالثة ويحتمل
أن يكون ذكر الآية لبيان أنّ هذه الفرقة الرابعه المحقّة إنّما تتَّبعوا جميع ما صدر عنه
صلى الله عليه وآله من الناسح والمنسوخ والعامّ والخاصّ ، لأنّ الله تعالى أمرهم باتّباعه في كلّ ما
يصدر عنه . قوله عليه‌السلام : فيشتبه متفرّع على ما قبل الآية أي كان يشتبه كلام الرسول
صلى الله عليه وآله على من لا يعرف ، ويحتمل أن يكون المراد أنّ الله تعالى إنّما أمرهم بمتابعة
الرسول صلى الله عليه وآله فيما يأمرهم به من اتّباع أهل بيته والرجوع إليهم فإنّهم كانوا يعرفون
كلامه ويعلمون مرامه فاشتبه ذلك على من لم يعرف مراد الله تعالى وظنّوا أنّه يجوز
لهم العمل بما سمعوا منه بعده صلى الله عليه وآله من غير رجوع إلى أهل بيته . قوله عليه‌السلام : ما عنى
الله به الموصول مفعول « لم يدر » ويحتمل أن يكون فاعل « يشتبه » . قوله عليه‌السلام : ولا
يستفهمه أي إعظاماً له . قوله عليه‌السلام : والطاري أي الغريب الّذي أتاه عن قريب من
غير اُنس به وبكلامه ، وإنّما كانوا يحبّون قدومهما إمّا لاستفهامهم وعدم استعظامهم
إيّاه أو لأنّه صلى الله عليه وآله كان يتكلّم على وفق عقولهم فيوضحه حتّى يفهم غيرهم . قوله عليه‌السلام :
فيخليني فيها من الخلوة ، يقال : استخلى الملك فأخلاه أي سأله أن يجتمع به في خلوة
ففعل ، أو من التخلية أي يتركني أدور معه . قوله عليه‌السلام : أدور معه حيثما دار أي لا اُمنع
عن شيء من خلواته ، أدخل معه أيَّ مدخل يدخل فيه ، وأسير معه أينما سار ، أو المراد
أنّي كنت محرماً لجميع أسراره قابلاً لعلومه ، أخوض معه في كلّ ما يخوض فيه من