بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 267

74 ـ كش : جبرئيل بن أحمد ، عن اليقطينيّ ، عن يونس ، عن عمر بن أبان ، عن
عبد الرحيم القصير قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : ائت زرارة وبريداً وقل لهما : ما هذه
البدعة ؟ أما علمتم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : كلُّ بدعة ضلالة . فقلت له : إنّي أخاف
منهما فأرسل معي ليث المراديّ ، فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبو عبد الله عليه‌السلام ، فقال :
والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر ، وأمّا بريد فقال : والله لا أرجع عنها أبداً .

بيان : كان بدعتهما في القول بالاستطاعة وسيأتي تحقيقها .

75 ـ ختص : علاء (1) ، عن محمّد قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام (2) يقول : لا دين
لمن دان بطاعة من يعصي الله ، ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله ، ولا دين لمن دان
بجحود شيء من آيات الله .

أقول : قال أبو الفتح الكراجكيّ في كنز الفوائد ـ بعد إقامة الدلائل على مخاصم
كان يجوِّز القياس في الشرعيّات ـ : ولو فرضنا جواز تكليف العباد بالقياس في السمعيّات
لم يكن بدّ من ورود السمع بذلك ، إمّا في القرآن أو في صحيح الأخبار ، وفي خلوّ
السمع من تعلّق التكليف به دلالة على أنَّ الله تعالى لم يكلّف خلقه به . قال : فإنّا نجد
ذلك في آيات القرآن وصحيح الأخبار ، قال الله عزّ وجلّ : فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (3)
فأوجب الاعتبار وهو الاستدلال والقياس ، وقال : فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم
به ذوا عدل منكم . (4) فأوجب بالمماثلة المقائسة ، وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله لمّا أرسل معاذاً
إلى اليمن قال له : بماذا تقضي ؟ قال : بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال :
بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله قال : فإن لم تجد في سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال : أجتهد رأيي ،
فقال صلى الله عليه وآله : الحمد لله الّذي وفّق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله . وروي عن
الحسن بن عليّ عليه‌السلام أنّه سئل فقيل : بماذا كان يحكم أمير المؤمنين عليه‌السلام ؟ قال : بكتاب
الله ، فإن لم يجد فسنّة رسول الله ، فإن لم يجد رجم فأصاب . فهذا كلّه دليل على صحّة
القياس والأخذ بالاجتهاد والظنِّ والرأي .

فقلت له : أمّا قول الله : فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ . فليس لك حجّة على موضع
القياس ، لأنَّ الله تعالى ذكر أمر اليهود وجنايتهم على أنفسهم في تخريب بيوتهم بأيديهم
وأيدي المؤمنين ما يستدلُّ به على حقّيّة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنَّ الله تعالى أمدَّه بالتوفيق
ونصره وخذل عدوَّه ، وأمر الناس باعتبار ذلك ليزدادوا بصيرةً في الإيمان ، وليس هذا
بقياس في المشروعات ولا فيه أمر بالتعويل على الظنون في استنباط الأحكام .

وأمّا قوله سبحانه : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ . ليس فيه أنَّ العدلين يحكمان في
جزاء الصيد بالقياس ، وإنّما تعبد الله عباده بإنفاذ الحكم في الجزاء عند حكم العدلين بما
علماه من نصِّ الله تعالى ، ولو كان حكمهما قياساً لكانا إذا حكما في جزاء النعامة بالبدنة
قد قاسا مع وجود النصِّ بذلك ، فيجب أن يتأمّل هذا .

وأمّا الخبران اللّذان أوردتهما فهما من أخبار الآحاد الّتي لا تثبت بهما
الاُصول المعلومة في العبادات ، على أنَّ رواة خبر معاذ مجهولون وهم في لفظه أيضاً مختلفون
فمنهم روى أنّه لمّا قال : أجتهد رأيي . قال له عليه‌السلام : لا ، اكتب إليَّ أكتب إليك . ولو
سلّمنا صيغة الخبر على ما ذكرت لاحتمل أن يكون معنى « أجتهد رأيي » : إنّي أجتهد حتّى
أجد حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب والسنّة .

وأمّا رواية الحسن عليه‌السلام ففيه تصحيف ممّن رواه والخبر المعروف أنّه قال : فإن
لم يجد شيئاً في السنّة زجر فأصاب . يعني بذلك : القرعة بالسهام ، وهو مأخوذ من الزجر ،
والفال والقرعة عندنا من الأحكام المنصوص عليها وليست بداخلة في القياس ، والآيات
والأخبار دالّة على نفيه ، (5) قال الله تعالى : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ
. (6) لسنا نشكُّ أنَّ الحكم بالقياس حكم بغير التنزيل . وقال سبحانه : وَلَا تَقُولُوا
لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَالٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ
. (3) ومستخرج

الحكم في الحادثة بالقياس لا يصحّ أن يضيفه إلى الله ولا إلى رسوله ، وإذا لم يصحَّ إضافته
إليهما فإنّما هو مضاف إلى القائس وهو المحلّل والمحرّم في الشرع من عنده وكذب

________________________

(1) هو العلاء بن رزين .

(2) وفي نسخة : سمعت أبا عبد الله عليه السلام .

(3) الحشر : 2 .

(4) المائدة : 95 .

(1) تقدم روايات في حكاية ذلك عن علي عليه السلام في باب أنهم عليهم السلام عندهم مواد العلم .

(2) المائدة : 44 .

(3) النحل : 116 .