بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 257

بمكّة فقال له : أيجوز للمحرم أن يظلّل عليه محمله ؟ فقال له موسى عليه‌السلام : لا يجوز له
ذلك مع الاختيار . فقال له محمّد بن الحسن : أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختاراً ؟ فقال
له : نعم ، فتضاحك محمّد بن الحسن عن ذلك ، فقال له أبو الحسن موسى عليه‌السلام : أفتعجب
من سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وتستهزىء بها ، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله كشف ظلاله في إحرامه ومشى
تحت الظلال وهو محرم ، إنَّ أحكام ألله تعالى ـ يا محمّد ـ لا تقاس ، فمن قاس بعضها على بعض
فقد ضلَّ سواء السبيل . فسكت محمّد بن الحسن لا يرجع جواباً .

7 ـ وقد جرى لأبي يوسف مع أبي الحسن موسى عليه‌السلام بحضرة المهديِّ ما يقرب
من ذلك ، وهو : أنَّ موسى عليه‌السلام سأل أبا يوسف عن مسألة ليس عنده فيها شيءٌ فقال
لأبي الحسن موسى عليه‌السلام : إنّي اُريد أن أسألك عن شيء ، قال : هات . فقال : ما تقول
في التظليل للمحرم ؟ قال : لا يصلح . قال فيضرب الخباء في الأرض فيدخل فيه ؟ قال :
نعم . قال : فما فرق بين هذا وذاك ؟ قال أبو الحسن موسى عليه‌السلام : ما تقول في الطامث تقضي
الصلاة ؟ قال : لا . قال : تقضي الصوم ؟ قال : نعم . قال : ولمَ ؟ قال : إنَّ هذا كذا جاء .
قال أبو الحسن عليه‌السلام : وكذلك هذا ، قال المهديُّ لأبي يوسف : ما أراك صنعت شيئاً ، قال
يا أمير المؤمنين رماني بحجّة .

8 ـ نهج : من خطبة له عليه‌السلام : إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواءٌ تتّبع ، وأحكام
تبتدع ، يُخالَف فيها كتابُ الله ، ويتولّى عليها رجالٌ رجالاً على غير دين الله ، فلو أنَّ
الباطل خلص من مزاج الحقِّ لم يخف على المرتادين (1) ، ولو أنَّ الحقَّ خلص من لبس
الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث (2)
فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الّذين سبقت لهم من الله الحسنى .

كتاب عاصم بن حميد ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام عن أمير المؤمنين
صلوات الله عليه مثله .

10 ـ ع : أبي رحمه الله ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن هاشم ،
عن أحمد بن عبد الله العقيليّ القرشيّ ، عن عيسى بن عبد الله القرشيّ رفع الحديث قال : دخل
أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه‌السلام ، فقال له : يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس ؟ قال : نعم
أنا أقيس . قال : لا تقس فإنَّ أوَّل من قاس إبليس حين قال : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن
طِينٍ
. فقاس ما بين النار والطين ، ولو قاس نوريّة النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء

أحدهما على الآخر ، ولكن قس لي رأسك ، أخبرني عن اُذنيك مالهما مرَّتان ؟ قال : لا
أدري . قال : فأنت لا تحسن تقيس رأسك فكيف تقيس الحلال والحرام ؟ قال : يا ابن
رسول الله : أخبرني ما هو ؟ قال إنَّ الله عزّ وجلّ جعل الاُذنين مرَّتين لئلّا يدخلهما شيءٌ
إلّا مات لولا ذلك لقتل ابن آدم الهوامُّ ، وجعل الشفتين عذبتين ليجد ابن آدم طعم الحلو
والمرّ ، وجعل العينين مالحتين لأنّهما شحمتان ولولا ملوحتهما لذابتا ، وجعل الأنف
بارداً سائلاً لئلّا يدع في الرأس داءٌ إلّا أخرجه ، ولولا ذلك لثقل الدماغ وتدوَّد .

ع : أبي ، عن سعد ، عن البرقيّ ، عن محمّد بن عليّ ، عن عيسى بن عبد الله مثله .

11 ـ ع : محمّد بن الحسن القطّان ، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم ، عن أبي زرعة ، عن
هشام بن عمّار ، عن محمّد بن عبد الله القرشيّ ، عن ابن شبرمة ، قال : دخلت أنا وأبو حنيفة
على جعفر بن محمّد عليهما‌السلام فقال لأبي حنيفة : اتَّق الله ولا تقس الدين برأيك ، فإنَّ أوَّل
من قاس إبليس ، أمره الله عزّ وجلّ بالسجود لآدم ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَ
خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
. ثمَّ قال : أتحسن أن تقيس رأسك من بدنك ؟ قال : لا . قال جعفر عليه‌السلام :

فأخبرني لأيّ شيء جعل الله الملوحة في العينين ، والمرارة في الاُذنين ، والماء المنتن في
المنخرين ، والعذوبة في الشفتين ؟ قال : لا أدري . قال جعفر عليه‌السلام : لأنَّ الله تبارك وتعالى
خلق العينين فجعلهما شحمتين ، وجعل الملوحة فيهما منّاً منه على ابن آدم ، ولولا ذلك
لذابتا ، وجعل الاُذنين مرَّتين ، ولولا ذلك لهجمت الدوابُّ وأكلت دماغه ، وجعل الماء
في المنخرين ليصعد منه النفس وينزل ويجد منه الريح الطيّبة من الخبيثة ، وجعل العذوبة

________________________

* ابن الحسن ملازماً للرشيد حتى خرج الى الري خرجته الاولى فخرج معه ومات برنبويه ـ قرية من
قرى الري ـ سنة تسع وثمانين ومائة ، ومولده سنة خمس وثلاثين . وقيل : احدى وثلاثين . وقيل :
اثنتين وثلاثين ومائه . قاله ابن خلكان في وفيات الاعيان .

(1) المرتادين : الطالبين للحقيقة .

(2) الضغث بالكسر : قبضة حشيش مختلط فيها الرطب باليابس ، وهو مستعار للنصيب من الحق
والباطل .