بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 255

بيان : قد سبق مثله بتغيير ما في باب من يجوز أخذ العلم منه وقد شرحناه هناك .
والرثُّ : الضعيف البالي .

3 ـ ج : عن بشير بن يحيي العامريّ ، عن ابن أبي ليلى ، قال : دخلت أنا والنعمان
أبو حنيفة على جعفر بن محمّد عليهما‌السلام فرحَّب بنا فقال : يا ابن أبي ليلى من هذا الرجل ؟
فقلت : جعلت فداك هذا رجل من أهل الكوفة ، له رأي وبصيرة ونفاذ (1) ، قال : فلعلّه
الّذي يقيس الأشياء برأيه ، ثمَّ قال : يا نعمان هل تحسن أن تقيس رأسك ؟ قال : لا ، قال :
ما أراك تحسن أن تقيس شيئاً ولا تهتدي إلّا من عند غيرك ، فهل عرفت الملوحة في العينين ،
والمرارة في الاُذنين ، والبرودة في المنخرين ، والعذوبة في الفم ؟ قال : لا . قال : فهل عرفت
كلمةً أوَّلها كفر وآخرها إيمان ؟ قال : لا . قال ابن أبي ليلى : فقلت : جعلت فداك لا
تدعنا في عمياء ممّا وصفت لنا . قال : نعم حدَّثني أبي ، عن آبائي عليهم‌السلام : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله
قال : إنَّ الله خلق عيني ابن آدم شحمتين فجعل فيهما الملوحة فلولا ذلك لذابتا ولم يقع
فيهما شيءٌ من القذى إلّا أذابهما ، والملوحة تلفظ ما يقع في العينين من القذى ، وجعل
المرارة في الاُذنين حجاباً للدماغ ، وليس من دابّة تقع في الاُذن إلّا التمست الخروج ،
ولولا ذلك لوصلت إلى الدماغ ، وجعل البرودة في المنخرين حجاباً للدماغ ، ولولا
ذلك لسال الدماغ ، وجعل العذوبة في الفم منّاً من الله تعالى على ابن آدم ، ليجد لذَّة
الطعام والشراب . وأمّا كلمة أوَّلها كفرٌ وآخرها إيمانٌ فقول « لا إله إلّا الله » أوَّلها
كفرٌ وآخرها إيمان ، ثمَّ قال : يا نعمان إيّاك والقياس فإنَّ أبي حدَّثني عن آبائه عليهم‌السلام
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : من قاس شيئاً من الدين برأيه قرنه الله تبارك وتعالى مع إبليس
في النار ، فإنّه أوَّل من قاس حيث قال : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . فدعوا الرأي
والقياس فإنَّ دين الله لم يوضع على القياس .

ع : أبي ، عن سعد ، عن البرقيّ ، عن معاذ بن عبد الله ، عن بشر بن يحيى العامريّ ،
عن ابن أبي ليلى مثله إلّا أنَّ مكان « بصيرة » « نظر » وبعد قوله : « أن تقيس شيئاً » قوله :
« ولا تهتدي إلّا من عند غيرك فهل عرفت ممّا الملوحة » ومكان « عمياء » « عمى » و « على

شحمتين » و « لذاذة الطعام » و « حين قال خلقتني » « فدعوا الرأي والقياس وما قال قوم ليس
له في دين الله برهان » « فإنَّ دين الله لم يوضع بالآراء والمقائيس » .

4 ـ ج : في رواية اُخرى أنَّ الصادق عليه‌السلام قال لأبي حنيفة : ـ لمّا دخل عليه ـ من
أنت ؟ قال : أبو حنيفة . قال عليه‌السلام : مفتي أهل العراق ؟ قال : نعم . قال : بما تفتيهم ؟ قال :
بكتاب الله . قال عليه‌السلام : وإنّك لعالم بكتاب الله ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ؟ قال :
نعم . قال : فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ .
أيُّ موضع هو ؟ قال أبو حنيفة : هو ما بين مكّة والمدينة . فالتفت أبو عبد الله عليه‌السلام إلى جلسائه
وقال : نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكّة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل وعلى
أموالكم من السرق ؟ فقالوا : اللّهم نعم . فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : ويحك يا أبا حنيفة إنَّ
الله لا يقول إلّا حقّاً ، أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ، أيُّ موضع هو ؟
قال : ذلك بيت الله الحرام ، فالتفت أبو عبد الله عليه‌السلام إلى جلسائه وقال : نشدتكم بالله هل
تعلمون أنَّ عبد الله بن زبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل ؟ قالوا : اللّهم نعم ، فقال
أبو عبد الله عليه‌السلام : ويحك يا أبا حنيفة إنَّ الله لا يقول إلّا حقّاً . فقال أبو حنيفة : ليس لي علم
بكتاب الله إنّما أنا صاحب قياس . فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : فانظر في قياسك إن كنت مقيساً
أيُّما أعظم عند الله القتل أو الزنا ؟ قال : بل القتل . قال : فكيف رضي في القتل بشاهدين
ولم يرض في الزنا إلّا بأربعة ؟ ثمّ قال له : الصلاة أفضل أم الصيام ؟ قال : بل الصلاة أفضل .
قال عليه‌السلام : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها
دون الصيام ، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة ، ثمَّ قال له : البول أقذر
أم المنيُّ ؟ قال : البول أقذر . قال عليه‌السلام : يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول
دون المنيِّ وقد أوجب الله تعالى الغسل من المنيِّ دون البول . قال : إنّما أنا صاحب رأي .
قال عليه‌السلام : فما ترى في رجل كان له عبدٌ فتزوَّج وزوَّج عبدُه في ليلة واحدة فدخلا
بإمرأتيهما في ليلة واحدة ، ثمَّ سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد فولدتا غلامين فسقط
البيت عليهم فقتل المرأتين وبقي الغلامان أيّهما في رأيك المالك وأيّهما المملوك ؟ وأيّهما
الوارث وأيّهما الموروث ؟ قال : إنّما أنا صاحب حدود ! قال : فما ترى في رجل أعمي

________________________

(1) وفي نسخة : ونقاد .