بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 231

الثلاث فهي الحجّة البالغة الّتي بيّنها الله في قوله لنبيّه : قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ
شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
. يبلّغ الحجّة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله ، كما يعلمه العالم بعلمه

لأنّ الله عدل لا يجور ، يحتجُّ على خلقه بما يعلمون ، يدعوهم إلى ما يعرفون لا إلى
ما يجهلون وينكرون . فأجازه الرشيد وردّه . والخبر طويل .

توضيح : قسَّم عليه‌السلام اُمور الأديان إلى أربعة أقسام ترجع إلى أمرين : أحدهما
ما لا يكون فيه اختلاف بين جميع الاُمّة من ضروريّات الدين الّتي لا يحتاج في العلم بها إلى
نظر واستدلال . وقوله عليه‌السلام : على الضرورة إمّا صلةٌ للإجماع أي على الأمر الضروريّ ،
أو تعليل له أي إنّما أجمعوا للضرورة الّتي اضطرّوا إليها . وقوله : الأخبار بدل من الضرورة
ولا يبعد أن يكون في الأصل « للأخبار » وهي أي الأخبار المجمع عليها كذلك غاية جميع
الاستدلالات الّتي تنتهي إليها وتعرض عليها كلُّ شبهة وتستنبط منها كلُّ حادثة .

وثانيهما ما لا يكون من ضروريّات الدين فيحتاج في إثباته إلى نظر واستدلال ومثله
يحتمل الشكّ والإنكار فسبيل مثل هذا الأمر استنصاح أهل هذا الأمر من العالمين به لمنتحليه
أي لمن أذعن به من غير علم وبصيرة ، والاستنصاح لعلّه مبالغة من النصح أي يلزمهم أن يبيّنوا
لهم بالبرهان على سبيل النصح والإرشاد ، ويحتمل أن يكون في الأصل « الاستيضاح »
أي طلب الوضوح لهم .

ثمّ قسّم عليه‌السلام ذلك الأمر باعتبار ما يستنبط منه إلى ثلاثة أقسام ، فتصير بانضمام
الأوّل أربعة : الأوّل : ما يستنبط بحجّة من كتاب الله لكن إذا كانت بحيث أجمعت
الاُمّة على معناها ولم يختلفوا في مدلولها لا من المتشابهات التي تحتمل وجوهاً واختلفت
الاُمّة في مفادها . والثاني : السنّة المتواترة الّتي أجمعت الاُمّة على نقلها أو على معناها .
والثالث : قياس عقليٌّ برهانيٌّ تعرف العقول عدله أي حقّيّته ولا يسع لأحد إنكاره لا القياس
الفقهيّ الّذي لا ترتضيه العقول السليمة ، وهذا إنّما يجري في اُصول الدين لا في
الشرائع والأحكام الّتي لا تعلم إلّا بنصّ الشارع ، ولذا قال عليه‌السلام : وهذان الأمران أي
بالقسمة الأوّليّة يكون من جميع الاُمور الدينيّة اُصولها وفروعها من أمر التوحيد الّذي
هو أعلى المسائل الاُصوليّة إلى أرش الخدش الّذي هو أدنى الأحكام الفرعيّة ، والغرض

أنّ هذا التقسيم يتعلّق بمجموع اُمور الدين ولا يختصُّ بنوع منها .

قوله عليه‌السلام : فمن أورد واحدةً من هذه الثلاث أي الثلاث الداخلة في القسم الأخير
وإنّما خصّها لأنّ القسم الأوّل لا يكون مورد المخاصمة والاحتجاج ، وفسّر عليه‌السلام
الحجّة البالغة بما يبلغ كلّ أحد ويتمُّ الاحتجاج بها على جميع الخلق . قوله : فأجازه
الرشيد أي أعطاه الجائزة .

هذا ماخطر بالبال وقرّر على الاستعجال في حلّ هذا الخبر المشتمل على إغلاق
وإجمال والله أعلم بحقيقة الحال .

ووجدت هذا الخبر بعد ذلك في كتاب الاختصاص وهو أوضح ممّا سبق فأوردته ،
رواه عن ابن الوليد ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد ، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ
عن محمّد بن الزبرقان الدامغانيّ ، عن أبي الحسن موسى عليه‌السلام قال : قال لي الرشيد : أحببت
أن تكتب لي كلاماً موجزاً له اُصول وفروع يفهم تفسيره ويكون ذلك سماعك من
أبي عبد الله عليه‌السلام ، فكتبت : بسم الله الرحمـن الرحيم اُمور الاديان أمران : أمر لا اختلاف فيه
وهو إجماع الاُمّة على الضرورة الّتي يضطرّون إليها ، والأخبار المجتمع عليها المعروض
عليها كلُّ شبهة والمستنبط منها كلُّ حادثة ، وأمر يحتمل الشكّ والإنكار وسبيل استيضاح
أهله الحجّة عليه فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع على تأويله أو سنّة عن النبيّ
صلى الله عليه وآله لا اختلاف فيها ، أو قياس تعرف العقول عدله ضاق على من استوضح تلك الحجّة
ردّها ووجب عليه قبولها والإقرار والديانة بها وما لم يثبت لمنتحليه به حجّة من كتاب
مستجمع على تأويله أو سنّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله لا اختلاف فيها ، أو قياس تعرف العقول عدله
وسع خاصّ الاُمّة وعامّها الشكّ فيه والإنكار له كذلك هذان الأمران من أمر التوحيد
فما دونه إلى أرش الخدش فما دونه ، فهذا المعروض الّذي يعرض عليه أمر الدين ، فما
ثبت لك برهانه اصطفيته ، وما غمض عنك ضوؤه نفيته . ولا قوّة إلّا بالله ، وحسبنا الله
ونعم الوكيل .

أقول : تمامه في أبواب تاريخه عليه‌السلام .

32 ـ ير : أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن ابن المغيرة ، عن عبد الله بن سنان ، عن موسى