بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 207

حديثنا صعب مستصعب ، خشن مخشوش ، فانبذوا إلى الناس نبذاً ، فمن عرف فزيدوه
ومن أنكر فأمسكوا ، لا يحتمله إلّا ثلاث : ملك مقرَّب ، أو نبيٌّ مرسل ، أو عبد مؤمن
امتحن الله قلبه للإيمان .

بيان : الخشاش بالكسر : ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب ، فالبعير
الّذي فعل به ذلك مخشوش ، وهذا الوصف أيضاً لبيان صعوبته بأنّه يحتاج في انقياده
إلى الخشاش ، ولعلّ الأصوب : مخشوشن كما في بعض النسخ فهو تأكيد ومبالغة ، قال
الجوهريّ : الخشونة : ضدّ اللّين وقد خشن الشيء ـ بالضمّ ـ فهو خشن ، واخشوشن الشيء :
اشتدّت خشونته ، وهو للمبالغة كقولك : أعشب الأرض واعشوشب .

36 ـ ير : أحمد بن الحسن ، عن أحمد بن إبراهيم ، عن محمّد بن جمهور ، عن البزنطيّ
عن عيسى الفرّاء ، عن أبي الصامت قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : إنّ من حديثنا
ما لا يحتمله ملك مقرَّب ، ولا نبيٌّ مرسل ، ولا عبد مؤمن . قلت : فمن يحتمله ؟ قال :
نحن نحتمله .

37 ـ ير : محمّد بن أحمد ، عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفيّ ، عن عبّاد بن يعقوب
الأسديّ ، عن محمّد بن إبراهيم ، عن فرات بن أحمد (1) قال : قال عليٌّ عليه‌السلام : إنّ حديثنا
تشمئزُّ منه القلوب ، فمن عرف فزيدوهم ، ومن أنكر فذروهم .

38 ـ ير : عن جعفر بن محمّد بن مالك ، عن يحيى بن سالم الفرّاء قال : كان رجل من
أهل الشام يخدم أبا عبد الله عليه‌السلام فرجع إلى أهله فقالوا له : كيف كنت تخدم أهل هذا
البيت فهل أصبت منهم علماً ؟ قال : فندم الرجل وكتب إلى أبي عبد الله عليه‌السلام يسأله عن
علم ينتفع به ، فكتب إليه أبو عبد الله عليه‌السلام :

أمّا بعد فإنّ حديثنا حديث هيوب ذعور فإن كنت ترى أنّك تحتمله فاكتب
إلينا والسلام .

39 ـ ير : إبراهيم بن هاشم ، عن يحيى بن عمران ، عن يونس ، عن سليمان بن صالح
رفعه إلى أبي جعفر عليه‌السلام قال : إنّ حديثنا هذا تشمئزُّ منه قلوب الرجال ، فمن أقرَّ به

فزيدوه ومن أنكره فذروه ، إنّه لا بدّ من أن تكون فتنة يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة
حتّى يسقط فيها من كان يشقُّ الشَعر بشَعرتين حتّى لا يبقى إلّا نحن وشيعتنا . وذكر
أبو جعفر محمّد بن الحسن : أنّه وجد في بعض الكتب ـ ولم يروه ـ بخطّ آدم بن عليّ بن آدم
قال عمير الكوفيّ في معنى حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبيٌّ مرسل : فهو
ما رويتم أنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف ، ورسوله لا يوصف ، والمؤمن لا يوصف ، فمن احتمل
حديثهم فقد حدَّهم ، ومن حدَّهم فقد وصفهم ، ومن وصفهم بكمالهم فقد أحاط بهم ،
وهو أعلم منهم وقال : نقطّع الحديث عمّن دونه فنكتفي به لأنّه قال : صعب ، فقد صعب
على كلّ أحد حيث قال : صعب . فالصعب لا يركب ولا يحمل عليه ، لأنّه إذا ركب وحمل
عليه فليس بصعب . وقال المفضّل : قال أبو جعفر عليه‌السلام : إنّ حديثنا صعبٌ مستصعبٌ
ذكوان أجرد ، لا يحتمله ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل ولا عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان .
أمّا الصعب فهو الّذي لم يركب بعد ، وأمّا المستصعب فهو الّذي يهرب منه إذا رأى ، وأمّا
الذكوان فهو ذكاء المؤمنين ، وأمّا الأجرد فهو الّذي لا يتعلّق به شيءٌ من بين يديه ولا من
خلفه ، وهو قول الله : الله نزَّل أحسن الحديث . فأحسن الحديث حديثنا لا يحتمل أحد
من الخلائق أمره بكماله حتّى يحدّه ، لأنّ من حدّ شيئاً فهو أكبر منه .

بيان : قوله : وذكر أبو جعفر كلام تلامذة الصفّار أو كلام الصفّار كما هو دأب
القدماء ، وأبو جعفر هو الصفّار ، وحاصل ما نقل عن عمير الكوفيّ هو رفع الاستبعاد عن
أنّ حديثهم لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبيٌّ مرسل بأنّ من أحاط بكنه علم رجل وجميع
كمالاته فلا محالة يكون متّصفاً بجميع ذلك على وجه الكمال ، إذ ظاهر أنّ من لم يتّصف
بكمال على وجه الكمال لا يمكنه معرفة ذلك الكمال على هذا الوجه ، ولا بدّ في الاطّلاع
على كنه أحوال الغير من مزيّة كما يحكم به الوجدان ، فلا استبعاد في قصور الملائكة
وسائر الأنبياء الّذين هم دونهم في الكمال عن الإحاطة بكنه كمالاتهم وغرائب حالاتهم .
ثمّ قال : نحذف من الحديث آخره الّذي تأبون عن التصديق به ونأخذ أوّله ونحتجُّ
عليكم به لكونه مذكورا في أخبار كثيرة ولا يمكنكم إنكاره وهو قوله عليه‌السلام : صعب مستصعب
فتقول : هذا يكفي لإثبات ما يدلُّ عليه آخر الخبر لأنّ الصعب هو الجمل الّذي يأبى
________________________

(1) وفي نسخة : عن فرات بن احنف .