تمام الحجة وظهور المحجة
الايات ، الانعام : قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ 149 « وقال تعالى » : وَكَذَٰلِكَ
نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ 55
الجاثية : فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 17
1 ـ نهج : قال أمير المؤمنين عليهالسلام في خطبة له : انتفعوا ببيان الله ، واتّعظوا بمواعظ
الله ، وأقبلوا نصيحة الله ، فإنَّ الله قد أعذر إليكم بالجليّة ، وأخذ عليكم الحجّة ، وبيّن
لكم محابّة من الأعمال ومكارهه منها لتبتغوا هذه وتجتنبوا هذه .
2 ـ لى : ابن المتوكّل ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عمّن سمع أبا عبد الله
عليهالسلام يقول كثيراً :
عَلم المحجّة واضح لمريده |
| وأرى القلوب عن المحجّة في عمى (1) |
ولقد عجبت لهالك ونجاته |
| موجودةٌ ، ولقد عجبت لمن نجا |
بيان : العجب من الهلاك لكثرة بواعث الهداية ووضوح الحجّة ، والعجب من
النجاة لندورها وكثرة الهالكين ، وكلُّ أمر نادر ممّا يتعجّب منه .
3 ـ قبس : أخبرني جماعة من مشائخي الّذين قرأت عليهم : منهم الشريف المرشد
أبو يعلى محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفريّ ، والشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ ، والشيخ
الصدوق أبو الحسين أحمد بن عليّ النجّاشيّ ببغداد ، والشيخ الزكيّ أبو الفرج المظفّر بن عليّ
ابن حمدان القزوينيّ بقزوين ، قالوا جميعاً : أخبرنا الشيخ الجليل المفيد محمّد بن محمد بن النعمان
الحارثيّ رضي الله عنه يوم السبت الثالث من شهر رمضان المعظّم سنة عشر وأبعمائة ، قال :
أخبرني الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه رضي الله عنه ، قال : حدّثني محمّد بن عبد الله
ابن جعفر الحميريّ ، قال : حدّثني أبي ، قال : حدّثني هارون بن مسلم ، قال : حدّثني
مسعدة بن زياد ، قال : سمعت جعفر بن محمّد عليهماالسلام ـ وقد سئل عن قوله تبارك وتعالى : قل
فللّه الحجّة البالغة ـ قال : إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى للعبد : أكنت عالماً ؟ فإن
قال : نعم . قال : أفلا عملت بما علمت ؟ ! وإن قال : كنت جاهلاً . قال له : أفلا تعلّمت ؟ فتلك
الحجّة البالغة لله تعالى . (2)
4 ـ يج : قال أبو القاسم الهرويّ خرج توقيع من أبي محمّد عليهالسلام إلى بعض بني أسباط
قال : كتبت إلى أبي محمّد اُخبره من اختلاف الموالي وأسأله بإظهار دليل ، فكتب : إنّما
خاطب الله العاقل ، وليس أحد يأتي بآية ويظهر دليلاً أكثر ممّا جاء به خاتم النبيّين و
سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله فقالوا : كاهن وساحر وكذّاب ! ، وهدى من اهتدى ، غير أنّ الأدلّة
يسكن إليها كثير من الناس ، وذلك أنّ الله يأذن لنا فنتكلّم ، ويمنع فنصمت ، ولو أحبّ
الله أن لا يظهر حقّنا ما ظهر ، بعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين ، يصدعون بالحقّ في
حال الضعف والقوّة ، وينطقون في أوقات ليقضي الله أمره وينفذ حكمه ، والناس على
طبقات مختلفين شتّى : فالمستبصر على سبيل نجاة متمسّك بالحقّ ، فيتعلّق بفرع أصيل ،
غير شاكّ ولا مرتاب ، لا يجد عنّي ملجأً . وطبقة لم يأخذ الحقّ من أهله ، فهم كراكب البحر
يموج عند موجه ويسكن عند سكونه . وطبقة استحوذ عليهم الشيطان ، شأنهم الردّ على أهل
الحقّ ، ودفع الحقّ بالباطل حسداً من عند أنفسهم ، فدع من ذهب يميناً وشمالاً كالراعي
إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأدون السعي ، ذكرت ما اختلف فيه مواليّ ، فإذا كانت
الوصيّة والكبَر فلا ريب ، ومن جلس بمجالس الحكم فهو أولى بالحكم ، أحسن رعاية من
استرعيت فإيّاك والإذاعة وطلب الرئاسة ، فإنّهما تدعوان إلى الهلكة ، ذكرت شخوصك
إلى فارس (3) فاشخص عافاك الله خارالله لك (4) ، وتدخل مصر إن شاء الله آمناً فاقرأ من تثق
به من مواليَّ السلام ، ومرهم بتقوى الله العظيم ، وأداء الأمانة ، وأعلمهم أنّ المذيع علينا
حربٌ لنا . فلمّا قرأت : « وتدخل مصر » لم أعرف له معنى ، وقدمت بغداد وعزيمتي الخروج
إلى فارس فلم يتهيّأ لي الخروج إلى فارس وخرجت إلى مصر .
بيان : لعلّ قوله عليهالسلام : وذلك أنّ الله تعليل لما يفهم من كلامه عليهالسلام من الإباء عن
إظهار الدليل والحجّة والمعجزة . وقوله عليهالسلام : ولو أحبّ الله لعلّ المراد أنّه لو
أمرنا ربّنا بأن لا نظهر دعوى الإمامة أصلاً لما أظهرنا ، ثمّ بيّن عليهالسلام الفرق بين النبيّ
والإمام في ذلك ، بأنّ النبيّ إنّما يبعث في حال اضمحلال الدين وخفاء الحجّة ، فيلزمه أن يصدع بالحقّ على أيّ حال ، فلمّا ظهر للناس سبيلهم وتمّت الحجّة عليهم لم يلزم
الإمام أن يظهر المعجزة ويصدع بالحقّ في كلّ حال ، بل يظهره حيناً ويتّقي حيناً على حسب
ما يؤمر . قوله عليهالسلام : كالراعي أي نحن كالراعي إذا أردنا جمعهم واُمرنا بذلك جمعناهم
بأدنى سعي . قوله : عليهالسلام : فإذا كانت الوصيّة والكبَر فلا ريب . أي بعد أن أوصى أبي إليّ
وكوني أكبر أولاد أبي لا يبقى ريب في إمامتي . وقوله عليهالسلام : ومن جلس مجالس الحكم
لعلّه تقيّة منه عليهالسلام أي الخليفة أولى بالحكم ، أو المراد أنّه أولى بالحكم عند الناس ،
ويحتمل أن يكون المراد بالجلوس في مجالس الحكم بيان الأحكام للناس ، أي من بيّن
الأحكام للناس من غير خطاء فهو أولى بالحكم والإمامة ، فيكون الغرض إظهار حجّة
اُخرى على إمامته صلوات الله عليه
________________________
(1) المحجة : وسط الطريق .
(2) تقدم الحديث من أمالي المفيد في الباب التاسع « استعمال العلم » تحت الرقم 10 .
(3) أي ذهابك من بلدك الى فارس .
(4) أي جعل الله لك في شخوصك خيراً .