بحار الانوار – الجزء الثاني – الصفحة 192

والاهتمام وغيرهما ، وكذا الألفاظ المشتركة والمترادفة ، ولو وضع كلٌّ موضع الآخر
لفات المعنى المقصود ، ومن ثمّ قال النبيّ صلى الله عليه وآله : نضّر الله عبداً سمع مقالتي وحفظها و
وعاها وأدّاها ، فربَّ حامل فقه غير فقيه ، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه . وكفى هذا
الحديث شاهداً بصدق ذلك ، وأكثر الأصحاب جوّزوا ذلك مطلقا مع حصول الشرائط
المذكورة ، وقالوا : كلّما ذكرتم خارج عن موضوع البحث لأنّا إنّما جوّزنا لمن يفهم
الألفاظ ، ويعرف خواصّها ومقاصدها ، ويعلم عدم اختلال المراد بها فيما أدّاه ، وقد
ذهب جمهور السلف والخلف من الطوائف كلّها إلى جواز الرواية بالمعنى إذا قطع بأداء
المعنى بعينه ، لأنّه من المعلوم أنّ الصحابة وأصحاب الأئمّة عليهم‌السلام لم يكونوا يكتبون
الأحاديث عند سماعها ، ويبعد بل يستحيل عادةً حفظهم جميع الألفاظ على ما هي عليه و
قد سمعوها مرّةً واحدةً ، خصوصاً في الأحاديث الطويلة مع تطاول الأزمنة ولهذا كثيراً
ما يروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفة ، ولم ينكر ذلك عليهم ، ولا يبقى لمن تتبّع
الأخبار في هذا شبهة . ويدلُّ عليه أيضاً ما رواه الكلينيّ : (1)

عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن اُذينة ، عن محمّد بن
مسلم قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص . قال : إن كنت
تريد معانيه فلا بأس .

وروي أيضاً عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن سنان ، عن داود بن
فرقد ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّي أسمع الكلام منك فاُريد أن أرويه كما
سمعته منك فلا يجيىء ذلك ، قال : فتتعمَّد ذلك ؟ قلت : لا . قال : تريد المعاني ؟ قلت :
نعم . قال : فلا بأس .

نعم لا مرية في أنّ روايته بلفظه أولى على كلّ حال ، لا سيّما في هذه الأزمان لبعد
العهد وفوت القرائن وتغيّر المصطلحات .

وقد روى الكلينيّ ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن إبن أبي عمير ، عن

منصور بن يونس ، عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : قول الله جلَّ ثناؤه : الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
. قال : هو الرجل يسمع الحديث فيحدّث به كما سمعه لا

يزيد فيه ولا ينقص .

وبالغ بعضهم فقال : لا يجوز تغيير قال النبيّ صلى الله عليه وآله إلى قال رسول الله ولا عكسه ،
وهو عنت بيّن بغير ثمرة .

تذنيب : قال بعض الأفاضل : نقل المعنى إنّما جوّزوه في غير المصنّفات ، أمّا
المصنّفات فقد قال أكثر الأصحاب : لا يجوز حكايتها ونقلها بالمعنى ولا تغيير شيء منها
على ما هو المتعارف .

25 ـ شى : عن السكونيّ ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليّ صلوات الله عليهم قال :
الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك
حديثاً لم تحصه ، إنّ على كلّ حقّ حقيقة ، وعلى كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله
فخذوا به وما خالف كتاب الله فدعوه .

بيان : الفعل في قوله عليه‌السلام : لم تروه إمّا مجرّد معلوم ، يقال : روى الحديث
روايةً أي حمله ، أو مزيد معلوم من باب التفعيل أو الإفعال يقال : روّيته الحديث ترويةً
وأرواه أي حملته على روايته ، أو مزيد مجهول من البابين ، ومنه : روّينا في الأخبار .
ولنذكر ما به يتحقّق تحمّل الرواية والطرق الّتي تجوز بها رواية الأخبار .

اعلم أنّ لأخذ الحديث طرقاً أعلاها سماع الراوي لفظ الشيخ ، أو إسماع الراوي
لفظه إيّاه بقراءة الحديث عليه ، ويدخل فيه سماعه مع قراءة غيره على الشيخ ، ويسمّى
الأوّل بالإملاء ، والثاني بالعرض ، وقد يقيّد الإملاء بما إذا كتب الراوي ما يسمع من
شيخه ، وفي ترجيح أحدهما على الآخر والتسوية بينهما أوجه ، وممّا يستدلُّ به على
ترجيح السماع من الشيخ على إسماعه ما رواه الكلينيّ بسند صحيح : (2)

عن عبد الله بن سنان قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : يجيئني القوم فيسمعون منّي حديثكم
فأضجر ولا أقوى ، قال : فاقرأ عليهم من أوّله حديثاً ومن وسطه حديثاً ومن آخره حديثاً .

________________________

(1) في الاصول من الكافي في الحديث الثاني من باب رواية الكتب ، وأورد الحديثين الاتيين
بعد ذلك في 1 و 6 ومن الباب .

(2) والسند هكذا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، ومحمد بن الحسين ، عن ابن محبوب ،
عن عبد الله بن سنان . أورده في الخامس من باب رواية الكتب