بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 59

يا هشام مكتوب في الإنجيل : طوبى للمتراحمين اُولئك هم المرحومون يوم
القيامة ، طوبى للمصلحين بين الناس اُولئك هم المقرَّبون يوم القيامة ، طوبى للمطهَّرة
قلوبهم اولئك هم المتَّقون يوم القيامة ، طوبى للمتواضعين في الدنيا اُولئك يرتقون منابر
الملك يوم القيامة .

يا هشام قلّة المنطق حكم عظيم فعليكم بالصمت فإنَّه دعةٌ حسنةٌ ، وقلّة وزر
وخفَّةٌ من الذنوب ، فحصّنوا باب الحلم فإنَّ بابه الصبر ، وإنَّ الله عزّ وجلّ يبغض
الضحّاك من غير عجب . والمشّاء إلى غير إرب . ويجب على الوالي أن يكون كالراعي
لا يغفل عن رعيَّته ولا يتكبّر عليهم ، فاستحيوا من الله في سرائركم ، كما تستحيون من
الناس في علانيتكم ، واعلموا أنَّ الكلمة من الحكمة ضالّة المؤمن ، فعليكم بالعلم قبل
أن يرفع ، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم .

يا هشام تعلّم من العلم ماجهلت ، وعلّم الجاهل ممّا علمت ، وعظّم العالم لعلمه ،
ودع منازعته ، وصغّر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قرِّبه وعلّمه .

 

يا هشام إنَّ كلّ نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيّئة تؤاخذ بها . وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : إنّ لله عباداً كسرت قلوبهم خشبته ، وأسكتتهم عن النطق

وإنّهم لفصحاء عقلاء ، يستبقون إلى الله بالأعمال الزكيّة ، لا يستكثرون له الكثير ، ولا
يرضون له من أنفسهم بالقليل ، يرون في أنفسهم أنّهم أشرار ، وإنّهم لأكياس (1) وأبرار .

يا هشام الحياء من الإيمان والإيمان في الجنّة ، والبذاء من الجفاء والجفاء
في النار .

يا هشام المتكلّمون ثلاثة : فرابح ، وسالم ، وشاجب : فأمّا الرابح فالذاكر لله
وأمّا السالم فالساكت ، وأمّا الشاجب فالّذي يخوض في الباطل إنَّ الله حرّم الجنّة
على كلِّ فاحش بذيّ قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه . وكان أبوذرّ رضي الله عنه
يقول : يا ميتغي العلم إنَّ هذا اللّسان مفتاح خير ، ومفتاح شرّ ، فاختم على فيك كما
تختم على ذهبك وورقك (2) .

________________________

(1) جمع الكيّس : الظريف ، الفطن ، الحسن الفهم والادب .

(2) بالواو المثلثة وسكون الراء وبفتح الواو مع كسر الراء : الدراهم المضروبة .