بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 58

في أعينكم ، فتجتمع وتكثر فتحيط بكم . بحقّ أقول لكم : إنَّ الناس في الحكمة رجلان
فرجل أتقنها بقوله ، وصدّقها بفعله ، ورجل أتقنها بقوله ، وضيَّعها بسوء فعله ، فشتّان
بينهما ، فطوبى (1) للعلماء بالفعل ، وويلٌ (2) للعلماء بالقول . يا عبيد السوء اتّخذوا
مساجد ربّكم سجوناً لأجسادكم وجباهكم ، واجعلوا قلوبكم بيوتاً للتقوى ، ولا
تجعلوا قلوبكم مأوىً للشهوات إنَّ أجزعكم عند البلاء لأشدُّكم حبّاً للدنيا ، وإنّ
أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا . يا عبيد السوء لا تكونوا شبيهاً بالحداء الخاطفة
ولا بالثعالب الخادعة ، ولا بالذئاب الغادرة ، ولا بالاُسد العاتية ، كما تفعل بالفراس
كذلك تفعلون بالناس : فريقاً تخطفون ، وفريقاً تخدعون ، وفريقاً تقدرون بهم .
بحقّ أقول لكم : لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً ، وباطنه فاسداً كذلك
لا تغني أجسادكم الّتي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم ، وما يغني عنكم أن تنقوا
جلودكم وقلوبكم دنسة ، لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيِّب ، ويمسك النخالة
كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغلُّ (3) في صدوركم . يا عبيد الدنيا
إنّما مثلكم مثل السراج يضيىءُ للناس ويحرق نفسه . يا بني إسرائيل زاحموا العلماء
في مجالسهم ولو جثّوا على الــركب فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي
الأرض الميتة بوابل المطر .


(1) الطوبى : الغبطة والسعادة ، الخير والخيرة ، هي فعلى من الطيب قلبوا الياء واواً للضمة
قبلها ، يقال : طوبى لك وطوباك بالاضافة .

(2) الويل : حلول الشر ، الهلاك . ويدعى به لمن وقع في هلكة يستحقها .

(3) الغل بكسر الغين : الحقد والغش .