بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 53

أحسنهم معرفةً لله ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً ، وأعقلهم أرفعهم درجةً في الدنيا
والآخرة .

بيان : ضمير الجمع في قوله عليه‌السلام : ليعقلوا راجع إلى العباد أي ما بعثهم إلّا ليعقل
العباد عن الله ما لا يعقلون إلّا بتفهيم الأنبياء والرسل عليهم‌السلام .

يا هشام ما من عبد إلّا وملك آخذ بناصيته فلا يتواضع إلّا رفعه الله ، ولا يتعاظم
إلّا وضعه الله .

يا هشام إنّ لله على الناس حجّتين : حجّة ظاهرة ، وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة
فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام ، وأمّا الباطنة فالعقول .

يا هشام إنَّ العاقل الّذي لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره .

يا هشام من سلّط ثلاثاً على ثلاث فكأنّما أعان هواه على هدم عقله : من أظلم
نور(2) فكره بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات
نفسه فكأنّما أعان هواه على هدم عقله ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه .

يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربّك وأطعت
هواك على غلبة عقلك .

بيان : الــزكاة تكون بمعنى النموّ ، وبمعنى الطهارة ، وهنا يحتملهما ، والأمر
مقابل النهي ، أو بمعنى مطلق الشأن أي الاُمور المتعلّقة به تعالى .

يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوَّة العقل ، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى

اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها (3) ورغب فيما عند ربّه ، وكان اُنسه في الوحشة ، و
صاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومعزّه في غير عشيرة .

بيان : عقل عن الله ، أي حصل له معرفة ذاته وصفاته وأحكامه وشرائعه ، أو أعطاه
الله العقل ، أو علم الاُمور بعلم ينتهى إلى الله بأن أخذه عن أنبياءه وحججه ، إمّا بلا
واسطة ، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر . وغناه أي مغنيه ،
أو كما أنَّ أهل الدنيا غناهم بالمال هو غناه بالله وقربه ومناجاته . والعيلة : الفقر .
وفي الكافي : من غير عشيرة . وهي القبيلة والرهط (4) الأدنون .

يا هشام نصب الخلق لطاعة الله ، ولا نجاة إلّا بالطاعة ، والطاعة بالعلم ، والعلم
بالتعلّم ، والتعلّم بالعقل يعتقد ، ولا علم إلّا من عالم ربّانيّ ، ومعرفة العالم بالعقل .

بيان : في الكافي : نصب الحقّ . ونصب إمّا مصدر ، أو فعل مجهول أي إنّما نصب
الله الخلق أو الحقّ والدين ، بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليطاع في أوامره ونواهيه .
والتعلّم بالعقل يعتقد أي يشتدُّ ويستحكم ، أو من الاعتقاد بمعنى التصديق والإذعان . و
معرفة العالم وفي الكافي : ومعرفة العلم . أي علم العالم ، وما هنا أظهر ، والغرض أنَّ
احتياج العلم إلى العقل من جهتين : لفهم ما يلقيه العالم ، ولمعرفة العالم الّذي ينبغي
أخذ العلم عنه .

يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى
والجهل مردود .

بيان : في الكافي من العالم .

يا هشام إنَّ العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدون من
الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم .

________________________

(1) بل منصوب كما يقال : أظلم الله الليل أي جعله مظلما ، ونفيه تعدى أظلم في غير محله

بيان : نور مرفوع (2) إذ لم تر أظلم متعدّياً ، وإضافته إلى الفكر إمّا بيانيّة
أو لاميّة ، والسبب في ذلك أنَّ بطول الأمل يقبل إلى الدنيا ولذّاتها ، فيشغل عن التفكّر .
والطريف : الأمر الجديد المستغرب الّذي فيه نفاسة ، ومحو الطرائف بالفضول إمّا لأنّه
أذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلّم بالفضول ، أو لأنّه لمّا سمع الناس
منه الفضول لم يعبأوا بحكمته ، أو لأنّه إذا اشتغل به محا الله عن قلبه الحكمة .

(3) العزلة عن أهل الدنيا والراغبين فيها والمنهمكين في لذاتها ومن يصد المرء عن بلوغ رشده
ونهاء سعادته ممدوحة ، وأما العزلة عن أهل الدين وجماعة المسلمين وعمن يحصل بمصاحبته بصيرة
في أمر الدين ورغبة فيما عند الله من النعيم ، فمذمومة شرعا وعقلا .

(4) الرهط بفتح الراء : قوم الرجل وقبيلته . عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة ، وليس فيهم امرأة