بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 5

7 ـ وقال الصادق عليه‌السلام : ما كلّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله العباد بكنه عقله قطّ . قال :
وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّا معاشر الأنبياء اُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم .

بيان : الظاهر أنّ قوله : وقال الصادق عليه‌السلام الى آخر الخبر خبر مرسل كما يظهر
من الكافي . قوله : من عبادته بيان لقوله : كذا وكذا . وكذا خبر لقوله : فلان . ويحتمل
أن يكون متعلّقاً بمقدّر أي فذكرت من عبادته ، وأن يكون متعلّقاً بما عبّر عنه ( بكذا
وكذا ) كقوله ( فاضل كامل ) فكلمة « من » بمعنى « في » أو للسببيّة . والنضارة : الحسن .
والطهارة هنا بمعناه اللّغويّ أي الصفاء واللّطافة .

وفي بعض نسخ الكافي بالظاء المعجمة أي كان جارياً على وجه الأرض . والنزاهة :
البعد عمّا يوجب القبح والفساد ، والأظهر لنزه كما في الكافي ، ولعلّه بتأويل البقعة
والعرصة ومثلهما .

وفي الخبر إشكال : من حيث إنّ ظاهره كون العابد قائلاً بالجسم ، وهو ينافي
استحقاقه للثواب مطلقا ، وظاهر الخبر كونه مع هذه العقيدة الفاسدة مستحقّاً للثواب
لقلّة عقله وبلاهته ، ويمكن أن يكون اللّام في قوله : لربّنا بهيمة للملك لا للانتفاع ،
ويكون مراده تمنّي أن يكون في هذا المكان بهيمة من بهائم الربّ لئلّا يضيع الحشيش
فيكون نقصان عقله باعتبار عدم معرفته بفوائد مصنوعات الله تعالى بأنّها غير مقصورة
على أكل البهيمة ، لكن يأبى عنه جواب الملك إلّا أن يكون لدفع ما يوهم كلامه ،
أو يكون إستفهاماً إنكاريّاً أي خلق الله تعالى بهائم كثيراً ينتفعون بحشيش الأرض ،
وهذه إحدى منافع خلق الحشيش ، وقد ترتّبت بقدر المصلحة ، ولا يلزم أن يكون في
هذا المكان حمار ، بل يكفى وجودك وانتفاعك .

ويحتمل أن يكون اللّام للاختصاص لا على محض المالكيّة بأن يكون لهذه البهيمة
اختصاص بالربّ تعالى كاختصاص بيته به تعالى مع عدم حاجته إليه ، ويكون جواب
الملك أنّه لا فائدة في مثل هذا الخلق حتّى يخلق الله تعالى حماراً ، وينسبه إلى مقدّس
جنابه تعالى كما في البيت فإنّ فيه حكماً كثيرةً .

وعلى التقادير لا بدّ إمّا من ارتكاب تكلّف تامّ في الكلام ، أو التزام فساد بعض

 

الاُصول المقرّرة في الكلام . والله يعلم .

8 ـ ل ، لى : ابن البرقيّ ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عمرو بن عثمان ، عن أبي جميلة (1)
عن ابن طريف (2) عن ابن نباتة (3) عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام قال : هبط جبرئيل على
آدم عليه‌السلام فقال : يا آدم إنّي اُمرت أن اُخيّرك واحدةً من ثلاث ، فاختر واحدةً ودع
إثنتين فقال له آدم : وما الثلاث يا جبرئيل ؟ فقال : العقل ، والحياء ، والدين (4) قال آدم
فإنّي قد اخترت العقل ، فقال جبرئيل للحياء والدين : انصرفا ودعاه فقالا له : يا
جبرئيل إنّا اُمرنا (5) أن نكون مع العقل حيثما كان ، قال : فشأنكما ، وعرج .

سن : عمرو بن عثمان ، مثله .

بيان : الشأن بالهمز : الأمر والحال أي ألزما شأنكما ، أو شأنكما معكما ؛ ولعلّ
الغرض كان تنبيه آدم عليه‌السلام وأولاده بعظمة نعمة العقل . وقيل : الكلام مبنيٌّ على الاستعارة
التمثيليّة . ويمكن أن يكون جبرئيل عليه‌السلام أتى بثلاث صور ، مكان كلّ من الخصال
صورة تناسبها ، فانّ لكلّ من الأعراض والمعقولات صورة تناسبه من الأجسام والمحسوسات
وبها تتمثّل في المنام بل في الآخرة . والله يعلم .

9 ـ ل : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن محمّد بن عيسى ، عن عثمان بن عيسى ، عن
________________________

(1) هو المفضل بن صالح الاسدي النخاس بالنون المضمومة والخاء المعجمة المشددة رمى بالغلو
والضعف والكذب ووضع الحديث .

(2) بالطاء والراء المهملتين وزان امير هو سعد بن طريف الحنظلي الاسكاف مولى بني تميم الكوفي ،
عده الشيخ من أصحاب السجاد والباقر والصادق عليهم السلام قال : روى عن الاصبغ بن نباتة وهو صحيح
الحديث

(3) بضم النون ، هو : الاصبغ « بفتح الهمزة » ابن نباتة التميمي الحنظلي المجاشعي الكوفي .
قال النجاشي : كان من خاصّة أمير المؤمنين عليه السلام وعمّر بعده ، روى عنه عهد الاشتر ووصيته
الى محمد ابنه

(4) المراد بالعقل هنا لطيفة ربّانية يدرك بها الانسان حقيقة الاشياء ، ويميّز بها بين الخير
والشرّ ، والحق والباطل ، وبها يعرف ما يتعلق بالمبدأ والمعاد . وله مراتب بحسب الشدة والضعف .
والحياء : غريزة مانعة من ارتكاب القبائح ومن التقصير في حقوق الحق والخلق . والدين :
ما به صلاح الناس ورقيّهم في المعاش والمعاد من غرائز خلقية وقوانين وضعية .

(5) لعل المراد بالامر هو التكويني ، دون التشريعي . وهو استلزام العقل للحياء والدين ،
وتبعيتهما له .