بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 20

الرابع : مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريّات وقربها وبعدها عن ذلك ، و
أثبتوا لها مراتب أربعة : سمّوها بالعقل الهيولانى ، والعقل بالملكة ، والعقل بالفعل ، و
العقل المستفاد ، وقد تطلق هذه الأسامي على النفس في تلك المراتب ، وتفصيلها مذكور
في محالّها ، ويرجع إلى ما ذكرنا أوّلاً فإنّ الظاهر أنّها قوّة واحدة تختلف أسماؤها
بحسب متعلّقاتها وما تستعمل فيه .

الخامس : النفس الناطقة الإنسانيّة الّتي بها يتميّز عن سائر البهائم .

السادس : ما ذهب إليه الفلاسفة ، وأثبتوه بزعمهم : من جوهر مجرّد قديم لا تعلّق
له بالمادّة ذاتاً ولا فعلاً ، والقول به كما ذكروه مستلزم لإنكار كثير من ضروريّات
الدين من حدوث العالم وغيره ممّا لايسع المقام ذكره ، وبعض المنتحلين منهم للإسلام
أثبتوا عقولاً حادثةً ، وهي أيضاً على ما أثبتوها مستلزمة لانكار كثير من الاُصول المقرّرة
الإسلاميّة ، مع أنّه لا يظهر من الأخبار وجود مجرّد سوى الله تعالى .

وقال بعض محقّقيهم : إنّ نسبة العقل العاشر الّذي يسمّونه بالعقل الفعّال إلى
النفس كنسبة النفس إلى البدن فكما أنّ النفس صورة للبدن ، والبدن مادّتها ، فكذلك
العقل صورة للنفس ، والنفس مادّته ، وهو مشرق عليها ، وعلومها مقتبسة منه ، ويكمل
هذا الارتباط إلى حدّ تطالع العلوم فيه ، وتتّصل به ، وليس لهم على هذه الاُمور دليل
إلّا مموّهات شبهات ، أو خيالات غريبة زيّنوها بلطائف عبارات .

فإذا عرفت ما مهّدنا فاعلم أنّ الأخبار الواردة في هذه الأبواب أكثرها ظاهرة
في المعنيين الأوّلين ، الّذين مآلهما إلى واحد ، وفي الثاني منهما أكثر وأظهر . وبعض
الأخبار يحتمل بعض المعاني الاُخرى ، وفي بعض الأخبار يطلق العقل على نفس العلم
النافع المورث للنجاة المستلزم لحصول السعادات .

فأمّا أخبار استنطاق العقل وإقباله وإدباره فيمكن حملها على أحد المعاني الأربعة
المذكورة أوّلاً ، أو ما يشملها جميعاً ، وحينئذ يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير ،
كما ورد في اللّغة ، أو يكون المراد بالخلق الخلق في النفس واتّصاف النفس بها ، و
يكون سائر ما ذكر فيها من الاستنطاق والإقبال والإدبار وغيرها استعارةً تمثيليّةً ، لبيان

أنّ مدار التكاليف والكمالات والترقّيات على العقل ، ويحتمل أن يكون المراد
بالاستنطاق جعله قابلاً لأن يدرك به العلوم ، ويكون الأمر بالإقبال والإدبار أمراً
تكوينيّاً ، يجعله قابلاً لكونه وسيلةً لتحصيل الدنيا والآخرة ، والسعادة والشقاوة معاً
وآلةً للاستعمال في تعرّف حقائق الاُمور ، والتفكّر في دقائق الحيل أيضاً .

وفي بعض الأخبار بك آمر ، وبك أنهى ، وبك اُعاقب ، وبك اثيب . وهو منطبق على
هذا المعنى لأنّ أقلّ درجاته مناط صحّة أصل التكليف ، وكلّ درجة من درجاته مناط
صحّة بعض التكاليف ، وفي بعض الأخبار « إيّاك » مكان بك في كلّ المواضع ، وفي بعضها
في بعضها ، فالمراد المبالغة في اشتراط التكليف به فكأنّه هو المكلّف حقيقةً . وما في
بعض الأخبار من أنّه أوّل خلق من الروحانيّين ، فيحتمل أن يكون المراد أوّل مقدّر
من الصفات المتعلّقة بالروح ، أو أوّل غريزة يطبع عليها النفس وتودع فيها ، أو يكون
أوّليّته باعتبار أوّليّة ما يتعلّق به من النفوس ، وأمّا إذا احتملت على المعنى الخامس
فيحتمل أن يكون أيضاً على التمثيل كما مرّ . وكونها مخلوقةً ظاهرٌ ، وكونها أوّل مخلوق
إمّا باعتبار أنّ النفوس خلقت قبل الأجساد كما ورد في الأخبار المستفيضة ، فيحتمل
أن يكون خلق الأرواح مقدّماً على خلق جميع المخلوقات غيرها لكنّ « خبر أوّل ما خلق
الله العقل » ما وجدته في الأخبار المعتبرة ، وإنّما هو مأخوذ من أخبار العامّة ، و
ظاهر أكثر أخبارنا أنّ أوّل المخلوقات الماء أو الهواء كما سيأتي في كتاب السماء والعالم
نعم ورد في أخبارنا : أنّ العقل أوّل خلق من الروحانيّين ، وهو لا ينافي تقدّم
خلق بعض الأجسام على خلقه ، وحينئذ فالمراد بإقبالها بناءاً على ما ذهب إليه جماعة
من تجرّد النفس إقبالها إلى عالم المجرّدات ، وبإدبارها تعلّقها بالبدن والمادّيّات ،
أو المراد بإقبالها إقبالها إلى المقامات العالية ، والدرجات الرفيعة ، وبإدبارها هبوطها
عن تلك المقامات ، وتوجّهها إلى تحصيل الاُمور الدنيّة الدنيويّة ، وتشبّهها بالبهائم
والحيوانات ، فعلى ما ذكرنا من التمثيل يكون الغرض بيان أنّ لها هذه الاستعدادات
المختلفة ، وهذه الشؤون المتباعدة وان لم نحمل على التمثيل يمكن أن يكون الاستنطاق
حقيقيّاً ، وأن يكون كنايةً عن جعلها مدركةً للكلّيّات ، وكذا الأمر بالإقبال والإدبار