بحار الأنوار – الجزء الثاني – الصفحة 272

النبيِّ صلى الله عليه وآله وعنده أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال له : ما الفائدة في حروف الهجاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ عليه‌السلام : أجبه وقال : اللّهم وفّقه وسدِّده ، فقال عليُّ بن أبي طالب عليه‌السلام : ما من حرف إلّا وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ ، ثمَّ قال : أمّا الألف فالله الّذي لا إلـه إلّا هو الحيُّ القيُّوم ، وأمّا الباء فباق بعد فناء خلقه ، وأمّا التاء فالتوّاب يقبل التوبة عن عباده (1) ، وأمّا الثاء فالثابت الكائن يثبّت الله الّذين آمنوا بالقول الثابت ، وأمّا الجيم فجلَّ ثناؤه وتقدَّست أسماؤه ، وأمّا الحاء فحقٌّ حيٌّ حليم ، وأمّا الخاء فخبير بما يعمل العباد ، وأمّا الدال فديّان يوم الدين ، وأمّا الذال فذوا الجلال والإكرام : وأمّا الراء فرؤوف بعباده ، وأمّا الزاي فزين المعبودين ، وأمّا السين فالسميع البصير ، وأمّا الشين فالشاكر لعباده المؤمنين ، وأمّا الصاد فصادق في وعده ووعيده ، وأمّا الضاد فالضارُّ النافع ، وأمّا الطاء فالطاهر المطهّر ، وأمّا الظاء فالظاهر المظهر لآياته ، وأمّا العين فعالم بعباده ، وأمّا الغين فغياث المستغيثين ، وأمّا الفاء ففالق الحبِّ والنوى ، وأمّا القاف فقادر على جميع خلقه ، وأمّا الكاف فالكافي الّذي لم يكن له كفواً أحد ، أمّا اللّام فلطيف بعباده ، أمّا الميم فمالك الملك ، وأمّا النون فنور السماوات والأرض من نور عرشه ، وأمّا الواو فواحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ، أمّا الهاء فهادي لخلقه ، أمّا اللّام ألف فلا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأمّا الياء فيد الله باسطةٌ على خلقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هذا هو القول الّذي رضي الله عزَّ وجلَّ لنفسه من جميع خلقه. فأسلم اليهوديُّ .

بيان: قوله عليه‌السلام : وأمّا الضاد فالضارُّ النافع ذكر النافع إمّا على الاستطراد أو لبيان أنَّ ضرره تعالى عين النفع لأنّه خير محض ، مع أنّه يحتمل أن يكون موضوعاً لهما معاً ، وكذا الواو يحتمل أن يكون موضوعاً للواحد ، وذكر ما بعده لبيان أنَّ واحديّته تعالى تستلزم تلك الصفات ، وأن يكون موضوعاً للجميع .

5 ـ مع : وروي في خبر آخر : أنَّ شمعون سأل النبيَّ صلى الله عليه وآله فقال : اخبرني ما أبوجاد ؟ وما هوَّز ؟ وما حطّي ؟ وما كلمن ؟ وما سعفص ؟ وما قرشت ؟ وما كتب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أمّا أبوجاد فهو كنية آدم ـ على نبيّنا وآله وعليه‌السلام ـ ابى أن يأكل من الشجرة فجاد فأكل ، وأمّا هوَّز هوى من السماء فنزل إلى الأرض ، وأمّا حطّي أحاطت به خطيئته ، وأمّا كلمن كلمات الله عزّ وجلّ ، وأمّا سعفص قال الله عزّ وجلّ : صاع بصاع كما تدين تدان ، وأمّا قرشات أقرَّ بالسيّئات فغفر له ، وأمّا كتب فكتب الله عزَّ وجلَّ عنده في اللّوح المحفوظ قبل أن يخلق آدم بألفي عام ، إنَّ آدم خلق من التراب وعيسى خلق بغير أب فأنزل الله عزّ وجلّ تصديقه : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ . قال : صدقت يا محمّد .

بيان: لعلّهم كانوا يقولون مكان أبجد : أبوجاد ، إشعاراً بمبدء اشتقاقه فبيّن صلى الله عليه وآله ذلك لهم ، وقوله صلى الله عليه وآله : جاد إمّا من الجود بمعنى العطاء أي جاد بالجنّة حيث تركها بارتكاب ذلك ، أو من جاد إليه أي اشتاق ، وأمّا قرشات فيحتمل أن يكون معناه في لغتهم الإقرار بالسيّئات ، أو يكون من القرش بمعنى الجمع أي جمعها فاستغفر لها ، أو بمعنى القطع أي بالاستغفار قطعها عن نفسه ، وإنّما اكتفى بهذه الكلمات لأنّه لم يكن في لغتهم أكثر من ذلك على ما هو المشهور ، قال الفيروزآباديّ : وأبجد إلى قرشت و رئيسهم كلمن ، ملوك مدين وضعوا الكتابة العربيّة على عدد حروف أسمائهم ، هلكوا يوم الظلّة ، ثمّ وجدوا بعدهم : ثخذ ضظغ فسمّوها الروادف . وأمّا كتب فلعلّه كان هذا اللّفظ مجملاً في كتبهم ، أو على ألسنتهم ولم يعرفوا ذلك فسأله صلى الله عليه وآله عن ذلك .

6 ـ لى ، مع : صالح بن عيسى العجليّ قال : حدَّثنا أبو بكر محمّد بن محمّد بن عليّ الفقيه ، قال : حدَّثنا أبو نصر الشعرانيّ ـ في مسجد حميد ـ قال : حدَّثنا سلمة بن الوضّاح ، عن أبيه ، عن أبي إسرائيل ، عن أبي إسحاق الهمدانيّ ، عن عاصم بن ضمرة ، عن الحارث الأعور قال : بينا أنا أسير مع أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب عليه‌السلام في الحيرة إذا نحن بديرانيّ يضرب بالناقوس ، قال : فقال عليُّ بن أبي طالب عليه‌السلام : يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس ؟ قلت : الله ورسوله وابن عمِّ رسوله أعلم . قال : إنّه يضرب مثل الدنيا وخرابه ويقول : لا إله إلّا الله حقّاً حقّاً ، صدقاً صدقاً ، إنَّ الدنيا قد غرَّتنا وشغلتنا و استهوتنا واستغوتنا ، يا ابن الدنيا مهلاً مهلاً ، يا ابن الدنيا دقّاً دقّاً ، يا ابن الدنيا جمعاً جمعاً ، تفني الدنيا قرناً قرنا ، ما من يوم يمضي عنّا ، إلّا وهي أوهى منّا ركنا ، قد ضيّعنا داراً تبقى ، واستوطنّا داراً تفنى ، لسنا ندري ما فرَّطنا ، فيها إلّا لو قد متنا .

قال الحارث : يا أمير المؤمنين النصارى يعلمون ذلك ؟ قال : لو علموا ذلك لما  اتّخذوا المسيح إلهاً من دون الله عزّ وجلّ ، قال : فذهبت إلى الديرانيِّ فقلت له : بحقِّ  المسيح عليك لما ضربت بالناقوس على الجهة الّتي تضربها . قال : فأخذ يضرب وأنا أقول حرفاً حرفاً حتّى بلغ إلى قوله : إلّا لو قد متنا . فقال : بحقِّ نبيّكم من أخبرك بهذا ؟ قلت : هذا الرجل الّذي كان معي أمس ، قال : وهل بينه وبين النبيِّ من قرابة ؟ قلت : هو ابن عمِّه ، قال : بحقِّ نبيّكم أسمع هذا من نبيّكم ؟ قال : قلت نعم . فأسلم ثمَّ قال : والله إنّي وجدت في التورية أنّه يكون في آخر الأنبياء نبيٌّ وهو يفسِّر ما يقول الناقوس .

________________________

إلى هنا تمَّ الجزء الثاني من كتاب بحار الأنوار من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق
نفيسة قيّمة ، وفوائد جمَّة ثمينة ، وبه ينتهي الجزء الأوَّل من الطبع
الكمپاني ، ويبدءُ الجزء الثالث من هذه الطبعة من ثاني أجزاء
الكمپاني ـ والله المستعان ـ ويحوي هذا الجزء
1076 حديثاً في 28 باباً
جمادى الاولى 1376 هـ