1 ـ ج : عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه : ولو فكّروا في عظيم القدرة ، وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ، ولكنَّ القلوب عليلةٌ والأبصار مدخولةٌ ، (1) أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق ؟ كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السمع والبصر وسوّى له العظم والبشر ، انظروا إلى النملة في صغر جثّتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وضنّت على رزقها ، (2) تنقل الحبّة إلى جحرها وتعدُّها في مستقرِّها ، تجمع في حرِّها لبردها وفي ورودها لصدورها (3) مكفول برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ولا يحرمها الديّان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس ، لو فكّرت في مجاري أكلها ، وفي علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها واُذنها لقضيت من خلقها عجباً ولقيت من وصفها تعباً ، فتعالى الّذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر ، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدلالة إلّا على أنَّ فاطر النملة هو فاطر النحلة لدقيق تفصيل كلِّ شيء وغامض اختلاف كلِّ حيّ ، وما الجليل واللّطيف والثقيل والخفيف والقويُّ والضعيف في خلقه إلّا سواء ، كذلك السماء والهواء والريح والماء ، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر ، واختلاف هذا اللّيل والنهار ، وتفجُّر هذه البحار وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرُّق هذه اللّغات والألسن المختلفات ، فالويل لمن أنكر المقدِّر ، وجحد المدبِّر ، زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانعٌ ، لم يلجأوا إلى حجّة فيما ادَّعوا ، ولا تحقيق لما وعوا ، وهل يكون بناءٌ من غير بان أو جنايةٌ من غير جان ؟ ! وإن شئت قلت : في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين ، وجعل لها السمع الخفيَّ ، وفتح لها الفم السويَّ ، وجعل لها الحسَّ القويَّ ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ، ترهبها الزرّاع في زرعهم ولا يستطيعون ذبّها ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها ، وخلقها كلّه لا يكون إصبعاً مستدقّة ، فتبارك الّذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ، ويعفّر له خدّاً ووجهاً ، ويلقي بالطاعة إليه سلماً وضعفاً ، و يعطي له القياد رهبةً وخوفاً ، فالطير مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الريش منها والنفس ، وأرسى قوائهما على الندى واليبس ، قدَّر أقواتها ، وأحصى أجناسها ، فهذا غراب ، وهذا عقاب وهذا حمام ، وهذا نعام ، دعا كلَّ طائر باسمه ، وكفّل له برزقه ، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها ، وعدَّد قسمها فبلَّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جدوبها .
ايضاح : مدخولةٌ أي معيوبةٌ من الدخَل ـ بالتحريك ـ وهو العيب والغشُّ والفساد . وفلق أي شقَّ . والبشر : ظاهر جلد الإنسان . ولا بمستدرك الفكر إمّا مصدر ميميٌّ أي بإدراك الفكر ، أو اسم مفعول من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف (4) أي بإدراك الفكر الّذي يدركه الإنسان بغايه سعيه ، أو اسم مكان والباء بمعنى في أي في محلِّ إدراكه ، والغرض المبالغة في صغرها بحيث لا يمكن إدراك تفاصيل أعضائه لا بالنظر ولا بالفكر . كيف دبّت أي مشت . وضنّت بالضّاد المعجمة والنون أي بخلت ، وفي بعض النسخ : صبّت بالصاد المهملة والباء الموحَّدة على بناء المجهول ، إمّا على القلب أي صبَّ عليها الرزق ، أو كنايةٌ عن هجومها واجتماعها على رزقها بإلهامه تعالى فكأنّها صبّت على الرزق ، ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم من الصبابة وهي حرارة الشوق . لصدرها الصدر ـ بالتحريك ـ رجوع المسافر من مقصده ، والشاربة من الورد أي تجمع في أيّام التمكّن من الحركة لأيّام العجز عنها ، فإنّها تخفى في شدّة الشتاء لعجزها عن البرد . والمنّان : هو كثير المنِّ والعطاء . والديّان : القهّار والقاضي والحاكم والسائس و
(1) وفي نسخة : والبصائر مدخولة .
(2) وفي نسخة من الكتاب والاحتجاج المطبوع : كيف صبت على رزقها .
(3) وفي نسخة : لصدرها .
(4) في بعض النسخ : إلى الموصوف الخاص ، والمراد بالفكر الذي يدركه الانسان بغاية سعيه .