لها لانتسابها عندك إلى النجوم فلا بدّ من أن يكونا معلولي علّة واحدة . وبأحد هذين
التقريرين يثبت اتّحاد خالق السماء وخالق هذه الاُمور السابقة لاحتياج ما على الأرض
من الخلق إلى السماء وما فيها من النجوم ؛ وإليه أشار عليهالسلام بقوله : وإنَّه لولا السماء و
ما فيها لهلك ذرء الأرض . هذا ما أحاط به نظري العاثر ، وسيأتي في تضاعيف كلامه
عليهالسلام توضيح ما قلناه ، والتصريح ببعض ما قرّرناه ، والله يعلم وحججه عليهمالسلام حقائق
كلامهم ودقائق مرامهم ؛ ثمَّ لا يتوهّم متوهّم من كلامه عليهالسلام أنّ للنجوم تأثيراً فإنّه
ظاهر أنّه عليهالسلام إنّما ذكرها إلزاماً عليه ، ومماشاة معه لإتمام الحجّة عليه (1) بل لا يمكن
الاستدلال على سعودها ونحوسها وكونها علامات للكائنات أيضاً بهذا الوجه لكن ظاهره
أنَّ لها سعادة ونحوسة وأنّها علامات ، وسيأتي القول في ذلك مفصّلاً في كتاب السماء
والعالم .
متن : قال : أشهد أنَّ الخالق واحد من غير شكّ لأنّك قد أتيتني بحجّة ظهرت
لعقلي وانقطعت بها حجّتي ، وما أرى يستقيم أن يكون واضع هذا الحساب ومعلّم هذه
النجوم واحداً من أهل الأرض لأنّها في السماء ، ولا مع ذلك يعرف ما تحت الأرض منها
إلّا معلّم ما في السماء منها ، ولكن لست أدرى كيف سقط أهل الأرض على هذا العلم
الّذي هو في السماء حتّى اتّفق حسابهم على ما رأيت من الدقّة والصواب فإنّي لو لم أعرف
من هذا الحساب ما أعرفه لأنكرته ولأخبرتك أنّه باطل في بدء الأمر فكان أهون عليَّ .
قلت : فأعطني موثقاً إن أنا أعطيتك من قبل هذه الإهليلجة الّتي في يدك وما تدّعي
من الطبّ الّذي هو صناعتك وصناعة آبائك حتّى يتّصل الإهليلجة وما يشبهها من الأدوية
بالسماء لتذعننَّ بالحقّ ، ولتنصفنَّ من نفسك . قال : ذلك لك . قلت : هل كان الناس على
حال وهم لا يعرفون الطبّ ومنافعه من هذه الإهليلجة وأشباهها ؟ قال : نعم .
قلت : فمن أين اهتدوا له ؟ قال : بالتجربة وطول المقايسة . قلت : فكيف خطر
على أوهامهم حتّى همّوا بتجربته ؟ وكيف ظنّوا أنّه مصلحة للأجساد وهم لا يرون
فيه إلّا المضرّة ؟ أو كيف عزموا على طلب ما لا يعرفون ممّا لا تدلّهم عليه الحواسّ ؟ قال :
بالتجارب .
قلت : أخبرني عن واضع هذا الطبّ وواصف هذه العقاقير المتفرقّة بين المشرق
والمغرب ، هل كان بدٌّ من أن يكون الّذي وضع ذلك ودلّ على هذه العقاقير رجل حكيم
من بعض أهل هذه البلدان ؟ .
قال : لا بدّ أن يكون كذلك ، وأن يكون رجلاً حكيماً وضع ذلك وجمع عليه
الحكماء فنظروا في ذلك وفكّروا فيه بعقولهم . قلت : كأنّك تريد الإنصاف من نفسك
والوفاء بما أعطيت من ميثاقك فأعلمني كيف عرف الحكيم ذلك ؟ وهبه قد عرف بما في
بلاده من الدواء ، والزعفران الّذي بأرض فارس ، أتراه اتّبع جميع نبات الأرض فذاقه
شجرة شجرة حتّى ظهر على جميع ذلك ؟ وهل يدلّك عقلك على أنَّ رجالاً حكماء قدروا
على أن يتّبعوا جميع بلاد فارس ونباتها شجرة شجرة حتّى عرفوا ذلك بحواسّهم ، وظهروا
على تلك الشجرة الّتي يكون فيها خلط بعض هذه الأدوية الّتي لم تدرك حواسّهم
شيئاً منها ؟ وهبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها وتتبّعه جميع شجر فارس ونباتها ،
كيف عرف أنّه لا يكون دواء حتّى يضمّ إليه الإهليلج من الهند ، والمصطكي من الروم ،
والمسك من التبّت ، والدارصيني من الصين ، وخصي بيدستر من الترك ، والأفيون من
مصر ، والصبر من اليمن ، (2) والبورق من أرمنيّة ، (3) وغير ذلك من أخلاط الأدوية الّتي
تكون في أطراف الأرض ؟ وكيف عرف أنّ بعض تلك الأدوية وهي عقاقير مختلفة يكون
المنفعة باجتماعها ولا يكون منفعتها في الحالات بغير اجتماع ؟ أم كيف اهتدى لمنابت هذه
الأدوية وهي ألوان مختلفة وعقاقير متبائنة في بلدان متفرّقة ؟ فمنها عروق ، ومنها لحاء (4)
ومنها ورق ، ومنها ثمر ، ومنها عصير ، ومنها مائع ، ومنها صمغ ، ومنها دهن ، ومنها
________________________
(1) ما ذكره رحمه الله بمعنى التأثير بنحو الاستقلال حق ؛ وأما أصل التأثير بمعنى وجود رابطة
السببية والمسببية بين هذه الاشياء فهو مما بنى عليه كلامه عليه السلام من أوله الى آخره كما هو
ظاهر . ط
(1) الصبر وزان كتف : عصارة شجر مر .
(2) البورق بالفتح معرب بوره : شيء يتكون مثل الملح في شطوط الانهار والمياه .
(3) اللحاء : قشر العود أو الشجر .