بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 84

كونها أبطأ لأنّ مبنى أحكامهم على السيّارات . قوله عليه‌السلام : لأنّ مجاريها تحت الأرض
لمّا ذكر عليه‌السلام سابقاً سيره مع الكواكب من الطلوع إلى الغروب أشار عليه‌السلام ههنا إلى
أنّه لا يكفي ذلك للعلم بجميع الحركات حتّى يسير معها بعد الغروب فيحاذي ما تحت
الأرض من البحار والمواضع المظلمة بالبخارات ، أو يسير مع سائر الكواكب عند كون
الشمس فوق الأرض حتّى يحاذي ما تحتها الظلمة ، ثمَّ بيّن عليه‌السلام الحاجة إلى ذلك بأنّه
لا تكفي الإحاطة ببعض مسيرها للعلم بحركاتها لأنّ حركاتها الخاصّة عندهم مختلفة
بالنسبة إلى مركز العالم بسبب التداوير والأفلاك الخارجة المراكز وغيرها ، فتارة تسرع
وتارة تبطىء فلا تتأتّى مقايسة بعض حركاتها ببعض .

قوله عليه‌السلام : كيف يكون بعضها سعداً أي يرجع قولك إلى أنّها مع صفاتها وجدت
من غير صانع فكيف صار بعضها هكذا وبعضها هكذا ، فترجّح هذه الأحوال الممكنة و
حصولها من غير علّة ممّا يحكم العقل باستحالته ، أو المراد أنّها لو كانت خالقة لأنفسها
لكان كلٌّ منها يختار لنفسه أفضل الأحوال وأشرفها فكان جميعها على حالة واحدة هي
أفضل الأحوال ؛ وهذا أظهر . ثمَّ لمّا لم يفهم السائل ذلك غيّر الكلام وصرفه إلى ما هو
أوضح . وقوله عليه‌السلام : قد أقررت أنّها لم تكن شيئاً إمّا مبنيٌّ على أنّ الصنع والخلق
لا يتعلّقان إلّا بالحادث ، أو على ما كان ظاهر كلام السائل أنّ لوجودها مبدءاً ، ثمَّ إنَّ
السائل لمّا تفطّن بفساد كون الشيء صانعاً لنفسه رجع وأقرَّ بأنّ العقل يحكم بديهة
بأنَّ المصنوع غير الصانع ، والباني غير البناء ؛ وما ذكره عليه‌السلام من أنّ خالق الحياة
والموت لا بدّ أن يكون واحداً ممّا يحكم به الوجدان مع أنّ الظاهر من خالق الحياة
من يكون مستقلّاً فيه ، والموت ليس إلّا رفع الحياة ، فلو كان مستنداً إلى غيره لم
يكن خالق الحياة مستقلّاً فيه .

قوله عليه‌السلام : دون هذا أي أنا اُنكر الصعود إلى السماء الّذي هو أسهل ممّا
ذكرت فكيف اُقرُّ به ، أو المراد أنّ الصعود إلى السماء أسهل عليَّ من الإقرار بما
ذكرت . قوله عليه‌السلام : إنّهنّ كنّ قبل الناس أي بالعلّيّة والسببيّة كما ظنَّ السائل ، أو
بالزمان أي تقدّمها على كلّ شخص ، أو على الجميع بناءاً على لزوم التقدّم على كلّ

من الأشخاص التقدّم على الجميع كما قيل ، أو على أنّه عليه‌السلام كان يعلم أنّ السائل كان
قائلاً بذلك فذكره عليه‌السلام إلزاماً عليه كما اعترف به ؛ وعلى الأوّل يكون المراد بقوله :
لم يزالوا ولا يزالون عدم استنادهم إلى علّة ، وعلى الثاني فالمراد إمّا قدم مادَّتهم أو صورهم
أيضاً بناءاً على القول بالكمون ، وعلى الثالث فالمراد قدم نوعهم . قوله عليه ‌السلام :
بعد هذا الفلك أي هي محتاجة إلى الفلك ، والفلك متقدّمة عليها بالعلّيّة فلا يصحّ
كون النجوم علّة لها للزوم الدور . قوله عليه‌السلام : لم يكن ذرءٌ أي مذروء ومخلوق من
الإنس .

ثمَّ اعلم أنّ حاصل استدلاله على ما ظهر لهذا القاصر هو أنّه عليه‌السلام ـ لمّا قرّر
السائل سالفاً على أنّ النجوم ليست خالقة لأنفسها ، وآنفاً على أنّها ليست مخلوقة
للناس وغيرها ممّا يحدث بزعمه بتأثيرها لتأخّرها عنها ، وعلى أنّ الأرض أيضاً متقدّمة
على ما عليها من الخلق فلا تكون مخلوقة لما عليها ، وعلى أنّ الفلك لتقدّمه على النجوم
المتقدّمة على الناس لا يجوز كونه مخلوقاً لشيء منها ـ استدلّ عليه‌السلام ههنا على أنّه لا بدّ
أن يكون خالق السماء والأرض وما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما على
الأرض من الخلق واحداً .

أمّا اتّحاد خالق الأرض والنجوم فيمكن تقريره بوجهين : الأوّل : أنَّ الناس
محتاجون إلى الأرض كما عرفت ، وظاهر أنّها من أعظم مصالحهم فالوجدان الصحيح
يحكم بأنّ من خلق شيئاً يعدُّ له ما يصلحه ، ويهيّىء له ما سيحتاج إليه فظهر أنّه لا بدّ أن
يكون خالق الناس وخالق الأرض واحداً ، والناس بزعمك مخلوقون للنجوم ولزمك
القول بوجود خالق للنجوم ، فلا بدّ من القول بكون الأرض منسوبة إلى خالق النجوم
إمّا بلا واسطة أو بواسطة النجوم أو غيرها فثبت المطلوب .

الثاني : أنّا نرى التلازم بين الناس والأرض لحكم العقل بأنّ كلّاً منهما يرتفع
عند ارتفاع الآخر إذ الظاهر أنّ غاية خلق الأرض هو الإنسان ونحوه وهم محتاجون في
اُمورهم إليها ، وقد تقرِّر أنَّ المتلازمين إمّا أن يكون أحدهما علّة للآخر ، أو كلٌّ
منهما معلول علّة ثالثة ، ولا يجوز أن يكون الناس عللاً للأرض لما عرفت ، ولا معلولة