بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 83

قلت : فافهم وأدقّ النظر وناصح نفسك ألست تعلم أنّه حيث كان جميع أهل الدنيا
إنّما يولدون بهذه النجوم على ما وصفت في النحوس والسعود أنّهنّ كنّ قبل الناس ؟ قال :
ما أمتنع أن أقول هذا . قلت : أفليس ينبغي لك أن تعلم أنّ قولك : إنَّ الناس لم يزالوا
ولا يزالون قد انكسر عليك (1) حيث كانت النجوم قبل الناس ؛ فالناس حدث بعدها ، و
لئن كانت النجوم خلقت قبل الناس ما تجد بدّاً من أن تزعم أنَّ الأرض خلقت قبلهم .

قال : ولم تزعم أنَّ الأرض خلقت قبلهم ؟ قلت : ألست تعلم أنّها لو لم تكن الأرض
جعل الله لخلقه فراشاً ومهاداً ما استقام الناس ولا غيرهم من الأنام ، ولا قدروا أن يكونوا
في الهواء إلّا أن يكون لهم أجنحة ؟ قال : وماذا يغني عنهم الأجنحة إذا لم تكن لهم معيشة ؟
قلت : ففي شكّ أنت من أنَّ الناس حدث بعد الأرض والبروج ؟ قال : لا ولكن على اليقين
من ذلك .

قلت : آتيك أيضاً بما تبصره . قال : ذلك أنفى (2) للشكّ عنّي . قلت : ألست تعلم
أنَّ الّذي تدور عليه هذه النجوم والشمس والقمر هذا الفلك ؟ قال : بلى . قلت : أفليس
قد كان أساساً لهذه النجوم ؟ قال : بلى . قلت : فما أرى هذه النجوم الّتي زعمت أنّها مواليد
الناس إلّا وقد وضعت بعد هذا الفلك لأنّه به تدور البروج وتسفل مرّة وتصعد اُخرى .

قال : قد جئت بأمر واضح لا يشكل على ذي عقل أنّ الفلك الّذي تدور به النجوم
هو أساسها الّذي وضع لها لأنّها إنّما جرت به . قلت أقررت أنّ خالق النجوم الّتي
يولد بها الناس سعودهم ونحوسهم هو خالق الأرض لأنّه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرءٌ .
قال : ما أجد بدّاً من إجابتك إلى ذلك . قلت : أفليس ينبغي لك أن يدلّك عقلك على
أنّه لا يقدر على خلق السماء إلّا الّذي خلق الأرض والذرء والشمس والقمر والنجوم ،
وأنّه لولا السماء وما فيها لهلك ذرء الأرض .

شرح : أن يكون لبعض الناس أي هذا العلم . اعلم أنّ كلامه واحتجاجه عليه‌السلام

مبنيٌّ على أحد أمرين : الأوَّل ما يحكم به الوجدان من أنَّ العلم بدقائق حركات هذه
الكواكب وخواصّ آثارها والمناسبة بينها وبين ما هي علامة لحدوثها لا يتأتّى إلّا
لخالقها الّذي جعلها كذلك ، أو من ينتهي علمه إليه ، ومعلوم أنّ ما هو الحقّ من هذه
العلوم إنّما وصل إلى الخلق من الأنبياء كما اعترفوا به ، ولمّا لم يحيطوا بجميع ذلك
وضاع عنهم بعض ما استفادوا من الأنبياء عليهم‌السلام أيضاً فلذا ترى الرياضيّين يتحيّرون في
بعض الحركات الّتي لا تستقيم على اُصولهم ، ويسمّونها ما لا ينحلّ ، وترى المنجّمين
يخطؤون في كثير من أحكامهم لذلك . ثمَّ ذكر عليه‌السلام على سبيل التنزّل أنّه لو سلّمنا أنّه
يمكن أن يتيسّر ذلك لمخلوق من البشر فلا يتأتّى ذلك إلّا لمن كان معها في حركاتها و
يعاشرها مدّة طويلة ليعلم كيفيّة حركاتها وجرَّب بكثرة المعاشرة خواصّها وآثارها .

والثاني : أن يكون المراد أنّك إذا اعترفت أنّ كلّ الخلق يولدون بهذه النجوم
فلا يكون أحد منهم علّة لها ولآثارها لتقدّمها عليهم ، ولا شكّ في أنّه لا بدّ من حكيم
عالم بجميع الاُمور قادر عليها ، أسّس ذلك الأساس وبنى عليها تلك الآثار والأحكام
الّتي أمكن للخلق بها استعلام ما لم يأت من الاُمور ، فقد أقررت بالصانع فهو أوَّل عالم
بهذا العلم لا الحكيم الّذي تزعم أنّه يولد بتلك النجوم . (3) ويحتمل أن يكون المقصود
من الكلام الإشارة إلى كلا الدليلين كما لا يخفى بعد التأمّل . قوله عليه‌السلام : مواضعها من
السماء أي عند كونها فوق الأرض ، ومواضعها تحت الأرض أي بعد غروبها واستتارها
عنّا بالأرض . قوله عليه‌السلام : إلّا بمن في السماء أي بمن أحاط علمه وقدرته وحكمه
بالسماء وما فيها . قوله عليه‌السلام : فأنا أقول قولك أي أنا أعتقد ما قلت من أنّ الحكماء
الّذين تزعمهم عالمين به لم يرقوا إلى السماء ، أو أعتقد أنّه لا يمكنهم أن يرقوا إلى السماء
بأنفسهم بدون تعلّق إرادة الربّ تعالى به ، ومع ذلك فإن سلّمناه فلا يكفي محض الصعود
للإحاطة بذلك . قوله عليه‌السلام : مع كلّ برج أي فيه أو بالحركة السريعة . قوله عليه‌السلام :
في ثلاثين سنة وهو زحل ، وهو أبطأ السيّارات ، وإنّما لم يتعرّض عليه‌السلام للثوابت مع
________________________

(1) وفي نسخة : قد أنكر عليك .

(2) وفي نسخة : قال : ذلك أنقى للشك عنى .

(3) وبعبارة اخرى إنك بعد ما اعترفت بأن جميع الناس يولدون بهذه النجوم ولم يمكن أن يولد
أحد من أهل الارض الا بهذه النجوم لانها علته ، فقد اعترفت بأن واضع هذه النجوم غير أهل الدنيا
لانهم معلولون لها ، وهذا تسليم واذعان منك بالصانع تعالى .