بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 74

الدلالات ، وأظهر البيّنه على معرفة الصانع ولقد صدّقت بانَّ الأشياء مصنوعة ، و
لكنّي لا أدري لعلّ الإهليلجة والأشياء صنعت أنفسها ؟ قلت : أولست تعلم أنَّ خالق
الأشياء والإهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوَّة تدبيره ؟ قال : بلى . قلت : فهل ينبغي
للّذي هو كذلك أن يكون حدثاً ؟ قال : لا . قلت : أفلست قد رأيت الإهليلجة حين حدثت
وعاينتها بعد أن لم تكن شيئاً ثمَّ هلكت كأن لم تكن شيئاً ؟ قال : بلى ، وإنّما أعطيتك
أنَّ الإهليلجة حدثت ولم أعطك أن الصانع لا يكون حادثاً لا يخلق نفسه . قلت : ألم
تعطني أنَّ الحكيم الخالق لا يكون حدثاً ، وزعمت أنَّ الإهيلجة حدثت ؟ فقد أعطيتني
أنَّ الإهليلجة مصنوعة ، فهو عزَّ وجلَّ صانع الإهليلجة ، وإن رجعت إلى أن تقول : إنَّ
الإهليلجة صنعت نفسها ودبّرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت ، ووصفت صانعاً
مدبّراً أصبت صفته ، ولكنّك لم تعرفه فسمّيته بغير اسمه . قال : كيف ذلك ؟ قلت :
لإنّك أقررت بوجود حكيم لطيف مدبّر ، فلمّا سألتك من هو ؟ قلت : الإهليلجة .
قد أقررت بالله سبحانه ، ولكنّك سمّيته بغير اسمه ، ولو عقلت وفكّرت لعلمت أنَّ
الإهليلجة أنقص قوَّة من أن تخلق نفسها ، وأضعف حيلةً من أن تدبّر خلقها .

قال : هل عندك غير هذا ؟ قلت : نعم ؛ أخبرني عن هذه الإهليلجة الّتي زعمت أنّها
صنعت نفسها ودبّرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة ، صغيرة القدرة ، ناقصة
القوَّة ، لا تمتنع أن تكسر وتعصر وتؤكل ؟ وكيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرّة
قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء ؟ قال : لأنّها لم تقو إلّا على ما صنعت نفسها أو لم تصنع
إلّا ما هويت . قلت : أمّا إذ أبيت إلّا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها و
دبّرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت ؟ فإن زعمت أنَّ الإهليلجة خلقت نفسها
بعد ما كانت فإنَّ هذا لَمن أبين المحال ! كيف تكون موجودة مصنوعة ثمَّ تصنع نفسها
مرَّة اُخرى ؟ فيصير كلامك إلى أنّها مصنوعة مرّتين ؛ ولإن قلت : إنّها خلقت نفسها
ودبّرت خلقها قبل أن تكون إنَّ هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب ! لأنّها قبل أن
تكون ليس بشيء فكيف يخلق لا شيء شيئاً ؟ وكيف تعيب قولي : إنَّ شيئاً يصنع لا
شيئاً ولا تعيب قولك : إنَّ لا شيء يصنع لا شيئاً ؟ فانظر أيّ القولين أولى بالحقّ ؟ قال :

قولك . قلت : فما يمنعك منه ؟ قال : قد قبلته واستبان لي حقّه وصدقه بأنَّ الأشياء
المختلفة والإهليلجة لم يصنعن أنفسهنّ ، ولم يدبّرن خلقهنّ ، ولكنّه تعرّض لي أنَّ
الشجرة هي الّتي صنعت الإهليلجة لأنّها خرجت منها . قلت : فمن صنع الشجرة ؟ قال :
الإهليلجة الاُخرى ! قلت : اجعل لكلامك غاية أنتهي إليها فإمّا أن تقول : هو الله
سبحانه فيقبل منك ، وإمّا أن تقول : الإهليلجة فنسألك .

قال : سل . قلت : أخبرني عن الإهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلّا بعد ما ماتت
وبليت وبادت ؟ قال : لا . قلت : إنَّ الشجرة بقيت بعد هلاك الإهليلجة مائة سنة ، فمن
كان يحميها ويزيد فيها ، ويدبّر خلقها ويربّيها ، وينبت ورقها ؟ ما لك بدٌّ من أن تقول :
هو الّذي خلقها ، ولإن قلت : الإهليلجة وهي حيّة قبل أن تهلك وتبلى وتصير تراباً ،
وقد ربّت الشجرة وهي ميتة أنَّ هذا القول مختلف . قال : لا أقول : ذلك . قلت أفتقرُّ
بأنَّ الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شيء من ذلك ؟ قال : إنّي من ذلك على حدّ وقوف
ما أتخلّص إلى أمر ينفذ لي فيه الأمر . قلت : أمّا إذ أبيت إلّا الجهالة وزعمت أنَّ الأشياء
لا يدرك إلّا بالحواسّ فإنّي اُخبرك إنّه ليس للحواسّ دلالة على الأشياء ، ولا فيها معرفة
إلّا بالقلب ، فإنّه دليلها ومعرّفها الأشياء الّتي تدَّعي أنَّ القلب لا يعرفها إلّا بها .

شرح : قوله عليه‌السلام : وامتثلت قال الفيروزآباديُّ : امتثل طريقته : تبعها فلم يعدها .
قوله : نقمت عليَّ أي عبت وكرهت . قوله : من لحم قال الفيروزآباديّ : لحم كلّ شيء لبّه .
قوله تلك الأرض أي أشار إلى الأرض ، وقال اُقرُّ بوجود هذه الأرض الّتي أرى ، والإهليلجة
الواحدة الّتي في يدي . قوله : كانت فيها متفرِّقة لعلّه اختار مذهب إنكساغورس ومن
تبعه من الدهريّة القائلين بالكمون والبروز ، وأنَّ كلّ شيء كامن ؛ ويؤمي إليه
جوابه . قوله عليه‌السلام : في قمعها قال الفيروزآباديّ : القمع محرّكة : بثرة تخرج في
اُصول الأشفار ، وقال : القمع بالفتح والكسر وكعنب : ما التزق بأسفل التمرة والبسرة
ونحوهما انتهى . وعلى التقديرين اُستعير لما يبدو من الإهليلجة ابتداءاً في شجرها من
القشرة الرقيقة الصغيرة الّتي فيها ماء ، والأوّل أبلغ . قوله عليه‌السلام : غير مجموع بجسم
أي هل كان يزيد بغير أن يضمّ إليه جسم آخر من خارج ، أو قمع آخر مثله ، أو بغير قمعه