بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 72

ـ لأنّك زعمت أنّك لا تحسّه بحواسّك الّتي تعرف بها الأشياء ـ وأقررت أنا به هل
بدٌّ من أن يكون أحدنا صادقاً والآخر كاذباً ؟ قال : لا .

قلت : أرأيت إن كان القول قولك فهل يخاف عليَّ شيء ممّا اُخوّفك به من عقاب
الله ؟ قال : لا .

قلت : أفرأيت إن كان كما أقول والحقّ في يدي ألست قد أخذت فيما كنت اُحاذر
من عقاب الخالق بالثقة وأنّك قد وقعت بحجودك وإنكارك في الهلكة ؟ قال : بلى .

قلت : فأيّنا أولى بالحزم وأقرب من النجاة ؟ قال : أنت ، إلّا أنّك من أمرك
على ادّعاء وشبهة ، وأنا على يقين وثقة ، لأنّي لا أرى حواسّي الخمس أدركته ، وما
لم تدركه حواسّي فليس عندي بموجود .

قلت : إنّه لمّا عجزت حواسّك عن إدراك الله أنكرته ، وأنا لمّا عجزت حواسّي
عن إدراك الله تعالى صدّقت به .

قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لأنّ كلّ شيء جرى فيه أثر تركيب لَجسم ، أو وقع
عليه بصر لَلون فما أدركته الأبصار ونالته الحواسّ فهو غير الله سبحانه لأنّه لا يشبه الخلق ،
وأنّ هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال ، وكلّ شيء أشبهه التغيير والزوال فهو مثله ، وليس
المخلوق كالخالق ولا المحدَث كالمحدِث .

شرح : قوله عليه‌السلام : والبلاء المحمود عنه الخاصّة والعامّة أي النعمة الّتي يحمدها
ويقرُّ بها الخاصُّ والعامُّ لنا وهو العلم ، أو النعم الّتي شملت الخاصَّ والعامَّ كما
سيفصّله عليه‌السلام بعد ذلك . قوله عليه‌السلام : ما اُتى الجهّال أي ما أتاهم الضرر والهلاك إلّا
من قبلهم . قال الفيروزآباديُّ : أتى كعنى أشرف عليه العدوّ . وقال الجزريّ : في حديث
أبي هريرة : في العدوى إنّي قلت أتيت . أي دهيت وتغيّر عليك حسّك فتوهّمت ما ليس
بصحيح صحيحاً . قوله عليه‌السلام : استحوذ الشيطان أي غلب واستولى . قوله عليه‌السلام : و
صنيعة أي احسان ، ويحتمل أن يراد بها هنا الخلقة المصنوعة . قوله عليه‌السلام : لجسم بفتح
اللّام أي ألبتّة هو جسم . وكذا قوله : للون . ويدلّ على أنّ التركيب الخارجيّ إنّما
يكون في الجسم وأنَّ المبصر بالذات هو اللّون . قوله عليه‌السلام : أشبه التغيير أي المتغيّر ،
أو ذا التغيير بتقدير مضاف .

متن : قال : إنَّ هذا لقول ، ولكنّي لمنكر ما لم تدركه حواسّي فتؤدّيه إلى قلبي ؛
فلمّا اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجّة قلت : أمّا إذ أبيت إلّا أن تعتصم بالجهالة ،
وتجعل المحاجزة حجّة فقد دخلت في مثل ما عبت وامتثلت ما كرهت ، حيث قلت : إنّي
اخترت الدعوى لنفسي لأنَّ كلّ شيء لم تدركه حواسّي عندي بلا شيء .

قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لأنّك نقمت على الادِّعاء ودخلت فيه فادّعيت أمراً
لم تحط به خبراً ولم تقله علماً فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكارك الله ، ودفعك
أعلام النبوَّة والحجّة الواضحة وعبتها عليَّ ؟ أخبرني هل أحطت بالجهات كلّها وبلغت
منتهاها ؟ قال : لا : قلت : فهل رقيت إلى السماء الّتي ترى ؟ أو انحدرت إلى الأرض السفلى
فجلت في أقطارها ؟ (۱) أو هل خضت في غمرات البحور (2) واخترقت نواحي الهواء فيما
فوق السماء وتحتها إلى الارض وما أسفل منها فوجدت ذلك خلاءً من مدبّر حكيم عالم
بصير ؟ قال : لا . قلت : فما يدريك لعل الّذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه
حواسّك ولم يحط به علمك .

قال : لا أدري لعلّ في بعض ما ذكرت مدبّراً ، وما أدري لعلّه ليس في شيء من
ذلك شيء ! قلت : أمّا إذ خرجت من حدّ الإنكار إلى منزلة الشكّ فإنّي أرجو أن تخرج
إلى المعرفة .

قال : فإنّما دخل عليَّ الشكّ لسؤالك إيّاي عمّا لم يحط به علمي ، ولكن من
أين يدخل عليَّ اليقين بما لم تدركه حواسّي ؟ قلت : من قبل إهليلجتك هذه .

قال : ذاك إذاً أثبت للحجّة ، لأنّها من آداب الطبّ الّذي اُذعن بمعرفته (3)
قلت : إنّما أردت آن آتيك به من قبلها لأنّها أقرب الأشياء إليك ، ولو كان شيء أقرب
إليك منها لأتيتك من قبله ، (4) لأنَّ في كلّ شيء أثر تركيب وحكمة ، وشاهداً يدلّ على
________________________

(1) وفي نسخة : فدرت في أقطارها .

(2) وفي نسخة : هل غصت في غمرات البحور .

(3) وفي نسخة : لانها من أداة الطب الذي أدعى معرفته .

(4) وفي نسخة : لانبأتك من قبله .