بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 70

فإن قالوا : فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفاً حتّى كأنّه غير معلوم !
قيل لهم : هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به وهو من جهة اُخرى
أقرب من كلّ قريب إذا استدلّ عليه بالدلائل الشافية فهو من جهة كالواضح لا يخفى على
أحد ، وهو من جهة كالغامض لا يدركه أحد ، وكذلك العقل أيضاً ظاهر بشواهد ومستور
بذاته .

فأمّا أصحاب الطبائع فقالوا : إنّ الطبيعة لا تفعل شيئاً لغير معنى ولا تتجاوز عمّا
فيه تمام الشيء في طبيعتة ، وزعموا أنَّ الحكمة تشهد بذلك . (1) فقيل لهم : فمن أعطى
الطبيعة هذه الحكمة والوقوف على حدود الأشياء بلا مجاوزة لها ، وهذا قد تعجز عنه
العقول بعد طول التجارب ؟ فإن أوجبوا للطبيعة الحكمة والقدرة على مثل هذه الأفعال
فقد أقرُّوا بما أنكروا لإنّ هذه هي صفات الخالق ، وإن أنكروا أن يكون هذا للطبيعة
فهذا وجه الخلق يهتف بأنّ الفعل لخالق الحكيم .

وقد كان من القدماء طائفة أنكروا العمد والتدبير في الأشياء وزعموا أنَّ كونها
بالعرض والاتّفاق ، وكان ممّا احتجّوا به هذه الآفات الّتي تلد غير مجرى العرف والعادة
كالإنسان يولد ناقصاً أو زائداً إصبعاً ، أو يكون المولود مشوّهاً (2) مبدل الخلق ، فجعلوا
هذا دليلاً على أنَّ كون الأشياء ليس بعمد وتقدير ، بل بالعرض كيف ما اتّفق أن يكون .
وقد كان أرسطاطاليس ردَّ عليهم فقال : إنَّ الّذي يكون بالعرض والاتّفاق إنّما هو شيءٌ يأتي
في الفرط مرّة لأعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها ، وليس بمنزلة الاُمور الطبيعيّة
الجارية على شكل واحد جرياً دائماً متتابعاً .

وأنت يا مفضّل ترى أصناف الحيوان أن يجري أكثر ذلك على مثال ومنهاج
واحد كالإنسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع كما عليه الجمهور من الناس ،
فأمّا ما يولد على خلاف ذلك فإنّه لعلّة تكون في الرحم أو في المادّة الّتي ينشأ منها
الجنين ، كما يعرض في الصناعات حين يتعمّد الصانع الصواب في صنعته فيعوق دون ذلك (3)

عائق في الأداة أو في الآلة الّتي يعمل فيها الشيء فقد يحدث مثل في أولاد الحيوان
للأسباب الّتي وصفنا فيأتي الولد زائداً أو ناقصاً أو مشوّهاً ويسلم أكثرها فيأتي سويّاً
لا علّة فيه ، فكما أنَّ الّذي يحدث في بعض الأعمال الأعراض (4) لعلّة فيه لا توجب عليها
جميعاً الإهمال وعدم الصانع كذلك ما يحدث على بعض الأفعال الطبيعيّة لعائق يدخل
عليها لا يوجب أن يكون جميعها بالعرض والاتّفاق ، فقول من قال في الأشياء إنَّ كونها
بالعرض والاتّفاق من قبل أنَّ شيئاً منها يأتي على خلاف الطبيعة يعرض له خطأ و
خطل .

فإن قالوا : ولمَ صار مثل هذا يحدث في الأشياء ؟ قيل لهم : ليعلم أنّه ليس كون
الأشياء باضطرار من الطبيعة ، ولا يمكن أن يكون سواه كما قال قائلون ، بل هو تقدير
وعمد من خالق حكيم ، إذ جعل الطبيعة تجري أكثر ذلك على مجرى ومنهاج معروف ،
ويزول أحياناً عن ذلك لأعراض تعرض لها فيستدلّ بذلك على أنّها مصرَّفة مدبَّرة فقيرة
إلى إبداء الخالق وقدرته في بلوغ غايتها وإتمام عملها تبارك الله أحسن الخالقين .

يا مفضّل خذ ما آتيتك واحفظ ما منحتك ، وكن لربّك من الشاكرين ولآلائه
من الحامدين ، ولأوليائه من المطيعين ، فقد شرحت لك من الأدلّة على الخلق والشواهد
على صواب التدبير والعمد قليلاً من كثير ، وجزءاً من كلّ فتدبّره وفكّر فيه واعتبر به .
فقلت : بمعونتك يا مولاي أقوى على ذلك وأبلغه إن شاء الله ؛ فوضع يده على صدري فقال :
احفظ بمشيّة الله ولا تنس إن شاء الله .

فخررت مغشيّاً عليَّ فلمّا أفقت قال : كيف ترى نفسك يا مفضّل ؟ فقلت : قد
استغنيت بمعونة مولاي وتأييده عن الكتاب الّذي كتبته ، وصار ذلك بين يديَّ كأنّما
أقرأه من كفّي ، ولمولاي الحمد والشكر كما هو أهله ومستحقّه .

فقال : يا مفضّل فرِّغ قلبك واجمع إليك ذهنك وعقلك وطمأنينتك فساُلقي إليك
من علم ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله بينهما ، وفيهما من عجائب خلقه و
أصناف الملائكة وصفوفهم ومقاماتهم ومراتبهم إلى سدرة المنتهى ، وسائر الخلق من

الجنّ والإنس إلى الأرض السابعة السفلى وما تحت الثرى حتّى يكون ما وعيته جزءاً
من أجزاء ؛ انصرف إذا شئت مصاحباً مكلوءاً (5) فأنت منّا بالمكان الرفيع ، وموضعك
من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى ، ولا تسألن عمّا وعدتك حتّى اُحدث لك
منه ذكراً .

قال المفضّل : فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله .

بيان : جاش البحر والقِدر وغيرهما يجيش جيشاً : غلا . قوله عليه‌السلام : قال : أصحاب
الهندسة أقول : المشهور بين متأخّريهم أنَّ جرم الشمس مائة وستّة وستّون مثلاً وربع و
ثمن لجرم الأرض ، وما ذكره عليه‌السلام لعلّه كان مذهب قدمائهم مع أنّه قريب من المشهور ،
والاختلاف بين قدمائهم ومتأخّريهم في أمثال ذلك كثير . قوله عليه‌السلام : الحقّ الّذي
أي الاُمور الحقّة الثابتة الّتي تطلب معرفتها من بين الأشياء وفي بعض النسخ
لحقّ أي ما يحقّ وينبغي أن تطلب معرفته من أحوال الأشياء هو أربعة أوجه . وقال
الجوهريّ : قولهم لقيته في الفرط بعد الفرط أي الحين بعد الحين . والصدى بالفتح :
العطش .

ثمَّ اعلم أنّ بعض تلك الفقرات تؤمي إلى تجرّد النفس ، والله يعلم وحججه
صلوات الله عليهم أجمعين .(6)

________________________

(1) وفي نسخة : وزعموا أن المحنة تشهد بذلك .

(2) أي مقبحاً .

(3) عاقه يعوقه عن كذا : صرفه وثبطه وأخره عنه . والعائق كل ما عاقك وشغلك .

(4) وفي نسخة : فكما ان الذي يحدث في بعض الاعمال للاعراض .

(5) أي محفوظا .

(6) بل الى وجود امور اخرى غير النفس مجردة كما يشعر به قوله : وكذلك الامور الروحانية
اللطيفة ومنه يظهر أن وصف شيء بأنه روحاني أو لطيف في الاخبار يشعر بتجرده . ط