بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 68

فعلى هذا فلو علم غير المعصومين ذلك لدعتهم الدواعي النفسانيّة إلى غاية الفساد ، وهذا
وجه وجيه لكن يحتاج إلى طيّ بعض المقدَّمات .

الثالث : أن يكون السؤال مبنيّاً على ذلك الفرض أيضاً لكن يكون الجواب
مبنيّاً على أنّه قد يستلزم المحال نقيضه ، إذ الكلام في هذا النوع من الخلق المسمّى
بالإنسان الّذي اقتضت الحكمة أن يكون قد ركّبت فيه أنواع الشهوات والدواعي فلو
فرضته على غير تلك الحالة لكان من قبيل فرض الشيء انساناً وملكاً وهما لا يجتمعان ،
فعلى هذا يلزمه أيضاً لفرض كونه إنساناً أن يدعوه عدم خوف العقاب والفراغ إلى الأشر
والبطر وأنواع المعاصي ، وحاصله يرجع إلى تغيير الجواب الأوّل إلى جواب آخر
لا يرد عليه السؤال على غاية اللّطف والدقّة .

والردع : الكفّ والمنع . وقوله : يغتبطون على البناء للفاعل من الاغتباط وهو حسن
الحال بحيث يتمنّي غيره حاله . والحضّ : الحثّ والتحريص . وتمحيص الأوزار :
تنقيصها أو إزالتها . قوله عليه‌السلام : فإن قال : ولمَ يحدث على الناس ؟ أقول : لمّا كان
آخر الكلام موهماً لأنّ هذه الاُمور بعد حدوثها يصيّرها الله تعالى إلى الحكمة والصلاح
سأل : ثانياً ما السبب في أصل الحدوث حتّى يحتاج إلى أن يجعله الله صلاحاً ؟ ويحتمل
أن يكون مراده أنّا علمنا أنّ في وجودها صلاحاً فهل في عدمها فساد ؟ والجواب على
التقديرين ظاهر . وقال الفيروزآباديّ : عوز الشيء كفرح : لم يوجد ، وأعوزه الشيء .
احتاج إليه ، والدهر أحوجه . وقال : تناشبوا : تضامّوا وتعلّق بعضهم ببعض ، ونشبه
الأمر كلزم زنةً ومعنىً . وقال : افرجوا عن الطريق والقتيل : انكشفوا ، وعن المكان :
تركوه . انتهى . والمراد هنا عدم التخلية بين أحد وبين ما يريده . قوله عليه‌السلام : ولا سلا عن
شيء أي لا ينسى ويتسلّى عن شيء من المصائب إذ بتذكّر الموت تزول شدّة المحن ، من قولهم :
سلا عن الشيء أي نسيه . وقال الجوهرىّ : بزَّه يبزُّه بزّاً : سلبه ، وفي المثل من عزَّ بزَّ أي
من غلب أخذ السلب . وقال : سامه خسفاً وخُسفاً بالضمّ أي أولاه ذلّاً . وقال الفيروزآباديّ :
لمع بيده : أشار . وقال تفاقم الأمر : عظم . قوله عليه‌السلام : وبخت نصّر بالتيه أقول : لعلّه
إشارة إلى ما ذكره جماعة من المؤرّخين أنّ ملكاً من الملائكة لطم بخت نصّر لطمة

ومسخه وصار في الوحش في صورة أسد وهو مع ذلك يعقل ما يفعله الإنسان ، ثمَّ ردّه الله
تعالى إلى صورة الإنس وأعاد إليه ملكه فلمّا عاد إلى ملكه أراد قتل دانيال فقتله الله
على يد واحد من غلمانه ؛ (1) وقيل في سبب قتله : إنّ الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره
وصعدت إلى رأسه فكان لا يقرّ ولا يسكن حتّى يدقّ رأسه فمات من ذلك . وبلبيس غير
معروف عند المؤرّخين . والتطاول هنا مبالغة في الطَول بمعنى الفضل والإحسان . ودخلة
الرجل مثلّثة : نيّته ومذهبه وجمع أمره وبطانته . قوله عليه‌السلام : والشاهد المحنة أي
بالشاهد يمكن امتحان الغائب .

واعلم يا مفضّل إنّ اسم هذا العالم بلسان اليونانيّة الجاري المعروف عندهم
« قوسموس » (2) وتفسيره « الزينة » وكذلك سمّته الفلاسفة ومن ادّعى الحكمة أفكانوا
يسمّونه بهذا الاسم إلّا لما رأوا فيه من التقدير والنظام ؟ فلم يرضوا أن يسمّوه تقديراً
ونظاماً حتّى سمّوه زينة ليخبروا أنّه مع ما هو عليه من الصواب والإتقان على غاية
الحسن والبهاء .

أعجب يا مفضّل من قوم لا يقضون صناعة الطبّ بالخطأ وهم يرون الطبيب
يخطىء ، ويقضون على العالم بالإهمال ولا يرون شيئاً منه مهملاً . بل أعجب من أخلاق
من ادّعى الحكمة حتّى جهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا ألسنتهم بالذمّ للخالق جلّ
وعلا . بل العجب من المخذول « مانيّ » حين ادّعى علم الأسرار وعمي عن دلائل الحكمة
في الخلق حتّى نسبه إلى الخطأ ونسب خالقه إلى الجهل تبارك الحليم الكريم . وأعجب
منهم جميعاً المعطّلة الّذين راموا أن يدرك بالحسّ ما لا يدرك بالعقل فلمّا أعوزهم (3)
ذلك خرجوا إلى الجحود والتكذيب فقالوا : ولمَ لا يدرك بالعقل ؟ قيل : لأنّه فوق
مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته فإنّك لو رأيت حجراً يرتفع في الهواء
علمت أنّ رامياً رمى به فليس هذا العلم من قبل البصر بل من قبل العقل لأنّ العقل هو
الّذي يميّزه فيعلم أنَّ الحجر لا يذهب علواً من تلقاء نفسه ؛ أفلا ترى كيف وقف البصر
________________________

(1) سنشير ان شاء الله إلى ما في هذا النقل من الاختلاط والوهن .

(2) وفي نسخة : فرسموس .

(3) أعوزه أي أعجزه وصعب عليه نيله .